
الأزمة السودانية بعيون الباحث العراقي جاسم الحلفي
في المشهد الأخير من رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)، للروائي السوداني الكبير الطيب صالح، يقف الراوي في قلب النيل، محاصَراً بين التيار والظلام، بين ضفّة يعرفها وضفّة يخشاها، قبل أن يصرخ صرخته الشهيرة:
“أغيثوني!”
تلك لم تكن صرخة فردٍ يغرق، بل صرخة وعيٍ اكتشف، متأخراً، أن الهرب لا يحلّ أزمة، وأن الاستسلام للمصير المجهول يفتح الطريق للعدم.
صرخة إنسان أدرك أن النجاة لا تأتي من ضفّة بعينها، بل من قرار داخلي يرفض الغرق، ويصرّ على الحياة.
اليوم، ونحن نجتمع هنا في القاهرة—مدينة اعتادت أن تكون جسراً لا جداراً—أرى السودان واقفاً في اللحظة ذاتها:
بين تيارين، بين ضفتين، بين ذاكرة تفيض بالجراح ومستقبل يطلب منّا شجاعة السلام والحوار الوطني.
صرخة الراوي تصلح لأن تكون صوت الوطن كلّه: صوت الناس الذين لا يريدون الانحياز إلى الغرق، في حربٍ صارت عبئاً على الجغرافيا والإنسان والذاكرة.
وجودكم هنا—قادة سياسيين، مفكرين، حقوقيين، عسكريين، إعلاميين—يعني شيئاً واحداً:
أن السودان، رغم الألم، ما زال يمتلك ما يكفي من العقل والحكمة كي يجتمع، وكي يصغي، وكي يبحث عن مخرج يليق بتاريخه.
لسنا هنا لإعلان منتصر ولا لتسجيل هزيمة، ولا لإعادة إنتاج خطابات تبادل الاتهامات.
نحن هنا لأن البلاد وصلت إلى لحظة الحقيقة: لحظة الماء الذي يرتفع حول الجسد، ويذكّر الجميع بأن الغرق، حين يحدث، لا يفرّق بين موقعٍ سياسي وآخر، ولا بين سلطة ومعارضة، ولا بين مدينة وريف.
إن المخرج الآمن للسودان لا يبدأ من الخرائط العسكرية ولا من حسابات الغلبة، بل من اتفاق أخلاقي قبل أن يكون سياسياً:
اتفاق يعترف بكرامة الإنسان، بضرورة وقف الحرب، وبأن لا مستقبل مع حرب لا منتصر فيها، لا نصر يسجل فوق الركام والجثث والأحقاد.
الطريق ليس سهلاً، ولن يكون، لكن القرار ممكن.
فكما صرخ الراوي في رواية ( موسم الهجرة للشمال)، طلباً للحياة… علينا نحن أيضاً أن نصرخ للعقل، لا للرصاص.
للحوار، لا للقطيعة.
للسودان الذي يسع الجميع، لا للسودان الذي يتقاسمه السلاح والخوف.
القاهرة اليوم ليست مكاناً فقط، بل لحظة اختبار:
هل نستطيع تحويل اجتماعنا إلى خطوة حقيقية، لا إلى صورة تضاف إلى أرشيف الاجتماعات؟
هل نملك الشجاعة لنقول: كفى؟
كفى دماءً، كفى تشظّياً، كفى إضاعة لما تبقى من وطنٍ ينتظر إرادة بالغة البساطة: إرادة الحياة.
دعونا نخرج من هنا باتفاق حدٍّ أدنى:
وقف النزيف، استعادة الثقة، والبحث المشترك عن مخرج آمن يضمن أن يكون الغد ملكاً للسودانيين جميعاً، لا حكراً على أحد.
هذه هي مسؤوليتنا أمام شعبٍ ينتظر، وأمام تاريخ لن يرحم، وأمام وطنٍ يقف، مثل الراوي في (رواية الطيب صالحا وهو وسط النيل، بين الحياة والموت… وينتظر يدًا تمتدّ نحو الضفة التي تستحق أن تُسمّى: ضفّة السودان.
اختم ببيت من أشعار شاعر السودان الجميل محمد الفيتوري
(أنا أفريقيا… أنا السودان
أنا من يبذل الجسدَ الطاهرَ
كي يحيا الإنسان)،