
التعليم في السودان بين سندان الحرب ومطرقة المتحاربين: امتحانات الشهادة السودانية وطلابها والواقع المأساوي
تقرير سامفو – التحليلية
منذ اندلاع النزاع المسلح في إبريل 2023 الذي قضى على الأخضر واليابس في السودان والذي لايزال يدفع ثمنه المدنيون في جوانب الحياة المختلفة داخل السودان من نازحين أو خارجه من لاجئين وحتى الذي بقوا في امكانهم سواء في مناطق سيطرة الدعم السريع او سيطرة القوات المسلحة على مدى ثلاث سنوات يواجه التعليم في السودان واقعا مأزوما لم يسلم منه حتى الذين اتخذوا من بعض دول الجوار ملاذا آمنا لتعليم أبناءهم في ظروف معقدة ومكلفة لا تتناسب مع اوضاع معظم اللاجئين إلى تلك الدول.
وتعد امتحانات الشهادة الثانوية السودانية محطة حاسمة في المسار التعليمي للطلاب، إلا أن استمرار الحرب المدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وضع هذا الاستحقاق التعليمي أمام تحديات غير مسبوقة. ، حيث لم تتوقف آثار الحرب عند استهداف الأرواح وتدمير البنية التحتية،التي حولت اهم معالم المدن ومؤسسات الدولة إلى خراب بل امتدت لتضرب قطاع التعليم في جوهره. ليصبح تحت ظل واقع مأساوي، لا ينحصر في نقص الموارد أو توقف المدارس فقط، بل حتى في امكانية عقد الامتحانات على نحو عادل حيث اصبح الطلاب تحت تهديد مباشر في ظل عسكرة القرارات والإجراءات التي تعوق وصولهم إلى مراكز الامتحانات، والتي تفرض قيودًا تعجيزية على ممارسة حقهم في التعليم.
ووفق تقارير صحفية وحكومية تضمنت آثار الحرب تدمير ما يزيد عن 50,000 مدرسة بشكل كلي أو جزئي، مع تحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية أو مواقع عمليات عسكرية، فيما أدى نزوح الملايين إلى اضطراب العملية التعليمية وفقدان أكثر من 70% من الأطفال السودانيين فرصهم الدراسية. وكان آخر امتحان للشهادة السودانية قبل اندلاع الحرب في 2022 قد جلس اليه أكثر من 600.000 ألف طالب في 4252 مركز امتحان منها 18 مركزا خارج السودان، بينما يفقد اليوك اكثر من نصف هذا العدد في مناطق النزاع حقهم في الجلوس إلى الامتحان.
ومنذ اندلاع الحرب، تحولت المدارس من بيئة للتعليم إلى أهداف عسكرية مباشرة أو غير مباشرة. حيث تم قصف المئات من المدارس، ونهب ما تبقى منها، في مشهد، يُظهر مدى تدهور الوضع التعليمي. ، بينما تم تحويل معظم المدارس في مناطق الحرب إلى مراكز إيواء للنازحين أو مقرات عسكرية لطرفي القتال.
ومع غياب اي افق سياسي لوقف الحرب واحلال السلام في ظل استمرار عمليات القتال والكر والفر بين طرفيه يصف الكاتب السوداني د الشفيع خضر هذا الواقع بقوله ” إن
امتحانات الشهادة السودانية قد تحولت للأسف من استحقاق تعليمي إلى ملف سياسي يُستخدم في معركة الشرعية بين طرفي الحرب. فكل طرف يسعى إلى إثبات قدرته على إدارة الدولة داخل مناطق سيطرته، ويجعل من التعليم إحدى أدوات هذا الإثبات، غير عابئ بأنه يكرّس جيلاً كاملاً من الضياع. لكن الأمر أخطر من مجرد أزمة تعليمية؛ إنه تفكيك ممنهج لأحد أعمدة الدولة الوطنية. فالتعليم الموحد كان دائمًا أحد أهم العوامل التي تحفظ وحدة الوجدان الوطني، لأنه يخلق التواصل والتجربة المشتركة بين الأجيال. وحين ينقسم التعليم، وهو أحد أهم مؤسسات الدولة الوطنية، فإن ذلك يضعف الروابط المشتركة بين المواطنين ويهيئ الأرضية الذهنية والوجدانية لتقسيم السودان إلى دولتين. وقد بدأت بالفعل تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ”الانفصال الوجداني” بين المجتمعات التي تعيش تحت السلطتين.”
وبينما تسعى حكومة الأمر الواقع المعترف بها دوليا إلى إجراء امتحانات الشهادة السودانية في اماكن سيطرتها أو مايطلق عليه المدن الآمنة دون النظر الى مستقبل مايقارب 300 الف طالب وطالبة في اماكن سيطرة الدعم السريع من الممتحنين للشهادة السودانية تتهم قوات الدعم السريع الحكومة باستخدام الامتحانات كأداة سياسية لتهميش المناطق التي تقع تحت سيطرتها وتمنع هذه المليشيا في نفس الوقت الطلاب الممتحنين من السفر إلى المناطق الآمنة للجلوس للامتحاات تحت التهديد وممارسة التضييق على الراغبين في مواصلة تعليمهم بكافة الوسائل القمعية وتفرض قيودًا صارمة على حرية التنقل، مما يعوق وصول الطلاب إلى مراكز الامتحانات المُعلنة في الاماكن التي يسيطر عليها الجيش السوداني.
وإزاء هذا الواقع يرى عدد من الخبراء أن أزمة امتحانات الشهادة السودانية تعكس حجم التحديات التي تواجه التعليم في السودان؛ بسبب النزاعات المسلحة. وان ضمان حق الطلاب في التعليم رغم ظروف الحرب ليس مجرد التزام أخلاقي وقانوني، بل هو استثمار في مستقبل السودان. لا يمكن تحقيق العدالة التعليمية، إلا عبر خطوات عملية تضمن حماية الطلاب وتأمين فرصهم في التعليم، باعتباره أولوية قصوى لبناء مستقبل مستقر للسودان، بحسب الخبراء والمطلعين على الشأن السوداني.
وحول الرؤى والحلول الممكنة لحل معضلة امتحانات الشهادة السودانية القادمة والمقرر عقدها في الثالث عشر من ابريل القادم يقترح بعض التربويين والمهتمين السودانيين بعض الحلول التي تضمن العدالة في تمكين جميع الطلاب السودانيين في كافة مناطق السودان من الجلوس لهذه الامتحانات في بيئة آمنة وتتمثل تلك المقترحات في الآتي :
* العمل على تأجيل امتحان الشهادة المقرر في 13 أبريل، لإتاحة الوقت للتفاوض حول إمكانية عقد امتحان موحد لكل السودان.
* تبني المقترح الذي قدمته لجنة المعلمين السودانيين بتشكيل “لجنة وطنية” من خبراء تعليم سودانيين، تتولى الإشراف على امتحان موحد في كل السودان، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم الاتحادية والإدارات التعليمية في مناطق سيطرة الدعم السريع .
* دعوة المنظمات الدولية المتخصصة، كاليونسكو واليونيسيف، للإشراف الفني واللوجستي على العملية، عبر فتح ممرات آمنة للطلاب، توصيل أوراق الامتحانات وتأمين المراكز، بما يضمن الحيادية وعدم التسريب وسلامة الجميع .
وحتى يستعيد التعليم في السودان وضعه الحقيقي بعيدا عن ويلات الحروب وتنافس أطرافها في تحويله كأداة سياسية للبحث عن شرعية مفقودة سيظل رهينا لواقع مأساوي بين سندان الحرب ومطرقة المتحاربين مع ارتفاع منسوب الأمية وتفشي الجهل من خلال تسرب مئات الآلاف من قاعات الدراسة وحلقات التربية بسبب الحرب وتداعياتها التي يدفع ثمنها السودان شعبا وأرضا وحضارة.