حرب السودان: صناعة الداخل واستثمار الخارج

 

​محمد الأمين عبد النبي

​إن قراءة المشهد السوداني المأزوم، بكل تجلياته الراهنة، تقتضي بالضرورة الفكاك من القراءات السطحية التي تكبّل الوعي بحصر الأزمة في “شماعة المؤامرة الخارجية”. فجذور الأزمة السودانية هي في المقام الأول نتاج مباشر لإخفاقات النخب السياسية والعسكرية، ولا سيما خلال حكم نظام البشير الذي انتهج سياسات التمكين، وعمل على تجريف مؤسسات الدولة، واستبدال معايير الكفاءة بمعايير الولاء الأيديولوجي؛ الأمر الذي أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتفكيك عرى النسيج الاجتماعي، وصناعة هويات متصارعة وتشكيلات عسكرية موازية. لقد كان الاستبداد والتمكين في إدارة الدولة بوصفها غنيمة أيديولوجية هما العاملين اللذين فخّخا الجغرافيا السودانية بجيوش من التناقضات والانقسامات.

​صحيح أن الاستعمار ترك في خاصرة البلاد قنابل موقوتة، وهندس سياسات إقصائية كان لها بالغ الأثر في تشويه سودان ما بعد الاستقلال، إلا أن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع، في نهاية المطاف، على عاتق النخب الوطنية التي عجزت عن تفكيك هذه البنية الموروثة. فبدلاً من تصفية هذا الإرث وبناء نظام سياسي يستجيب لمقتضيات البناء الوطني، ويحسم قضايا الهوية وإدارة التنوع، ويصوغ نظام حكم قائماً على العدالة والمواطنة، اتخذت تلك النخب من تركة المستعمر ذريعة دائمة لتبرير إخفاقاتها المتراكمة.

​وتخبرنا تجارب الأمم أن دولاً عديدة تجرعت من الكأس الاستعمارية ذاتها، وعانت من انقسامات وسياسات مماثلة، لكنها استطاعت، عبر رؤية وطنية، تجاوز تشوهات الاستعمار والانطلاق نحو آفاق التنمية والاستقرار والتقدم. أما النخب السودانية، ولا سيما الأيديولوجية والعسكرية منها، فقد انكفأت على مصالحها الضيقة، وأعادت إنتاج الأدوات الاستعمارية نفسها في القمع والإقصاء والتهميش التنموي، مبددة بذلك فرص بناء مشروع وطني جامع يوحد الوجدان السوداني ويؤسس لدولة حديثة تستوعب تنوعها وتدير اختلافاتها بصورة ديمقراطية.

​إن التمسك بسردية المؤامرة الخارجية لتفسير الحرب الحالية ليس سوى محاولة للهروب من الاستحقاقات الأخلاقية والسياسية، وآلية من آليات تزييف الوعي التي يعتمدها الفكر الشمولي لإعفاء الذات من المسؤولية. فالأطماع الخارجية وصراعات النفوذ الإقليمي والدولي لا تتحرك في فراغ، ولكنها تتسلل عبر المسامات المفتوحة والشقوق العميقة التي صنعها أبناء الوطن بأيديهم. وعندما تنازلت الأنظمة الشمولية عن سيادة الدولة لصالح شرعيتها المغتصبة، وعمّقت المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنها صنعت، بوعي أو من دونه، البيئة المثالية للتدخلات الخارجية، ولتحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

​وعليه، فإن التدويل الراهن للأزمة السودانية ليس سبباً أصيلاً فيها، ولكنه عرض ونتيجة حتمية لغياب المشروع الوطني الجامع، وانهيار العقد الاجتماعي الداخلي، وفشل النخب في بناء مؤسسات قادرة على إدارة التعدد وصيانة الدولة. وكما قال نزار قباني:
​”يا سادتي، ما دخل الأعداء من حدودنا
وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا”.

​إن أي مقاربة جادة للتعافي الوطني لا يمكن أن تأتي محمولة من الخارج، بل يجب أن يكون الحل منتجاً سودانياً خالصاً، ينبع من إرادة القوى الحية في المجتمع، ومن الشجاعة في الاعتراف بأخطاء الماضي، ومواجهة التركة الثقيلة التي خلفها الاستعمار ورسختها الأنظمة الشمولية. كما يقتضي ذلك قدرة السودانيين على إنتاج حوار سياسي يفضي إلى تفكيك الامتيازات الأيديولوجية، ومعالجة ظاهرة التشكيلات المسلحة ذات الطابع الجهوي، وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية وديمقراطية، وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية والديمقراطية التوافقية التي تضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع.

​أما الدور الإقليمي والدولي، فينبغي هندسته بذكاء سياسي ليكون دوراً تيسيرياً ومسانداً وضامناً للاتفاقات الوطنية، لا وصياً عليها ولا صانعاً لأجندتها. فالتجارب تؤكد أن التسويات التي تُفرض من الخارج قد تنجح في وقف إطلاق النار مؤقتاً، لكنها غالباً ما تعجز عن بناء سلام مستدام ما لم تستند إلى توافق حقيقي وإرادة وطنية صلبة.

​إن صياغة هذا المخرج الوطني تتطلب أيضاً وعياً عميقاً بالتحولات الإقليمية والدولية المتسارعة وصراعات النفوذ المحتدمة، خصوصاً في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالسودان اليوم يقع في قلب تقاطعات جيوسياسية بالغة الحساسية، تتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية على الموانئ، والموارد، والموقع الاستراتيجي، وخطوط التجارة والطاقة. وفي ظل هذا الاستقطاب الحاد، تصبح المراهنة على الانحياز إلى أي محور خارجي ضرباً من المغامرة بمصير الدولة ووحدتها الوطنية.

​لذلك، يظل الحوار السوداني – السوداني هو الدرع الأكثر قدرة على حماية البلاد من حروب الوكالة والصراعات المفتوحة. فوجود جبهة مدنية عريضة تعبر عن الإرادة الشعبية وتمتلك رؤية وطنية جامعة كفيل بتحويل الدعم الدولي من خانة التدخل والوصاية إلى خانة الشراكة التي تخدم استقرار السودان، وتسهم في تعزيز السلم الأهلي والأمن الإقليمي والدولي.

ختاماً، ​إن خلاص السودان لن يتحقق بانتظار المنقذ الخارجي، ولا بالارتهان لموازين القوى الإقليمية المتقلبة، وإنما يبدأ من استعادة الثقة في القدرة الوطنية على إنتاج حل سوداني، يعيد بناء الدولة على قاعدة المواطنة والعدالة والحرية، ويحوّل التنوع السوداني من مصدر للصراع والاحتراب إلى مصدر للقوة والتماسك والنهضة الوطنية.