العدالة النسوية.. النساء في قوانين العمال

د. بثينة الخراساني

لا تُقاس عدالة الدول بما تنص عليه دساتيرها وقوانينها فحسب، وإنما بمدى انعكاس تلك النصوص على الحياة اليومية للمواطنين والمواطنات. ويُعدّ الحق في العمل اللائق، والمساواة في الفرص، والحماية من التمييز، من أهم مؤشرات العدالة الاجتماعية والإنصاف بين الجنسين. وفي السودان، ارتبط نضال النساء من أجل حقوقهن في العمل بمسيرة الحركة الوطنية والديمقراطية، فكان ثمرة عقود طويلة من الكفاح السياسي والاجتماعي والنقابي. ورغم ما تحقق من مكاسب تشريعية ودستورية، فإن الواقع ما يزال يكشف عن فجوة واسعة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، إلى جانب استمرار قصور بعض التشريعات في الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع السوداني. ويحاول هذا المقال استعراض أبرز محطات تطور حقوق المرأة العاملة، وبيان أوجه القصور في القوانين السارية، والتحديات التي تعيق تحقيق العدالة النسوية في بيئة العمل.

نتيجةً للوعي الذي اكتسبته المرأة السودانية بفضل التعليم الأهلي، الذي سبق التعليم النظامي الذي أدخله الاستعمار، تمكنت النساء من الولوج إلى سوق العمل، بدايةً في مجالي التعليم والتمريض. ومع بزوغ الحركة الوطنية في السودان، وفي الوطنين العربي والأفريقي، نشأت جمعيات نسائية عديدة أسهمت في نشر التعليم ومحو الأمية. ومن أوائل هذه التنظيمات جمعية النساء المثقفات، التي هدفت إلى توعية النساء والدفاع عن حقوقهن، غير أنها واجهت مقاومة من سلطات الاستعمار والقوى المحافظة في المجتمع.
ولم يمنع ذلك النساء من مواصلة نضالهن من أجل انتزاع حقوقهن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد تُوج هذا النضال بتحقيق مكاسب مهمة عقب ثورة أكتوبر المجيدة عام 1964، ودخول أول امرأة إلى البرلمان، الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم. كما وجد نضال النساء دعماً من عدد من النواب والتنظيمات الشبابية والنسوية، الأمر الذي أسفر عن تحقيق مكاسب مهمة في مجال العمل، إلى جانب إصلاحات اجتماعية في قوانين الأحوال الشخصية، وحقوق المرأة الإنجابية، مثل إجازة الوضع وساعة الرضاعة.
كما أُقر مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي، وهو المطلب الذي سبق أن رفعت لواءه نقابة المعلمات، إلى جانب حق المرأة في المعاش بعد الزواج، وتحسين شروط الخدمة والامتيازات الوظيفية، فضلاً عن مكاسب سياسية تمثلت في حق الانتخاب والترشح. وقد ضُمِّنت هذه الحقوق في الدستور، ثم فُصِّلت لاحقاً في قانون الخدمة المدنية لسنة 1973 وغيره من التشريعات.

المرأة في دساتير وقوانين السودان
تستمد القوانين مشروعيتها من الدساتير، التي تتضمن المبادئ العامة والخطوط العريضة المنظمة لحياة المجتمع، والمؤسسة للحقوق والواجبات. وتأتي القوانين لتفصيل تلك المبادئ وتحويلها إلى قواعد قابلة للتطبيق، بينما تتولى اللوائح بيان الإجراءات التنفيذية اللازمة لإنفاذها.
ورغم اختلاف الأنظمة السياسية والأيديولوجيات التي حكمت السودان، فقد تضمنت الدساتير المتعاقبة نصوصاً تؤكد المساواة أمام القانون، وتحظر التمييز على أساس النوع أو الجنس، وإن بدرجات متفاوتة.
فقد نص دستور 1956، في المادة (4)، على أن جميع الأشخاص أحرار ومتساوون أمام القانون، كما نصت المادة (2) على أنه لا يجوز حرمان أي سوداني من حقه في تقلد الوظائف العامة أو ممارسة أي مهنة أو حرفة بسبب المولد أو العنصر أو النوع.
أما دستور 1973 فقد مثّل نقلة مهمة في مجال حقوق المرأة، إذ أكد عدم التمييز بسبب النوع، وتضمن نصوصاً أخرى تتعلق بحماية الأسرة.
غير أن دستور 1998، الذي صدر في عهد النظام البائد، شكّل تراجعاً في هذا المجال، إذ أدرج الحقوق المتعلقة بالمرأة العاملة ضمن باب “المبادئ الموجهة”، وهي نصوص غير واجبة النفاذ أمام المحاكم. كما ذُيِّلت معظم المواد بعبارات مثل: “وفقاً للقانون” أو “بما ينظمه القانون”، بما أتاح إمكانية الانتقاص من تلك الحقوق عبر الإبقاء على قوانين سابقة أو سن تشريعات جديدة لا تكفلها.
وفي عام 2005، وبعد توقيع اتفاق السلام الشامل بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة النظام السابق، صدر الدستور الانتقالي، الذي أحدث نقلة نوعية في مجال حقوق المرأة. فقد أكدت ديباجته المساواة الكاملة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات، واعتبرتها أساساً لبناء نظام ديمقراطي تعددي، حيث نصت على:
“إقراراً منا بإقامة نظام لا مركزي ديمقراطي تعددي للحكم، يتم فيه تداول السلطة سلمياً، وبإعلاء قيم العدالة والمساواة، وحفظ كرامة الإنسان، ومساواة الرجال والنساء في الحقوق والواجبات…”
كما جعل الدستور المواطنة أساساً للحقوق، ومنح المرأة حق نقل الجنسية إلى أبنائها، فنص على أن لكل مولود من أب أو أم سودانية حقاً أصيلاً في التمتع بالجنسية السودانية، وهو تطور مهم انسجم مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها السودان.
ولأول مرة، تضمن الدستور وثيقة للحقوق قابلة للتطبيق أمام المحاكم، اشتملت على مبدأ المساواة بين الرجال والنساء، وإقرار التمييز الإيجابي لصالح المرأة، وإلزام الدولة بمحاربة العادات والتقاليد التي تنتقص من كرامتها، إلى جانب توفير الرعاية الصحية للأمومة والطفولة والحوامل، وحماية حقوق الطفل وفق الاتفاقيات الدولية والإقليمية.
وعقب اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة عام 2019، أُدرجت وثيقة الحقوق ضمن الوثيقة الدستورية. غير أن هذه الوثيقة لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي، إذ لم تُعدَّل القوانين السارية بما ينسجم مع مبادئها، ولم تُسن تشريعات جديدة لتطبيقها، سواء خلال ما تبقى من عهد النظام السابق أو خلال الفترة الانتقالية. ثم جاءت الحرب لتضاعف من تراجع أوضاع النساء، ولتشهد البلاد تعديلات دستورية عززت هيمنة المؤسسة العسكرية على السلطة.

القصور في قوانين العمل الرئيسية
من أهم القوانين المنظمة للعمل في السودان قانون الخدمة المدنية القومية، الذي يحكم العاملين والعاملات في الخدمة المدنية، وقانون العمل لسنة 1997، الذي ينظم العمل في القطاع الخاص. ويعتري كلا القانونين عدد من أوجه القصور، وإن كان قانون الخدمة المدنية أكثر تقدماً فيما يتعلق بحقوق المرأة العاملة.
فقد تضمن قانون الخدمة المدنية لسنة 1973 مبادئ مهمة، منها الأجر المتساوي للعمل المتساوي، واعتماد الكفاءة والمنافسة الحرة في التعيين والترقي والتدريب، إضافة إلى النص على إجازة الوضع وساعة الرضاعة.
إلا أن إجازة الوضع ما تزال قصيرة، وتطالب النساء بتمديدها إلى ستة أشهر على الأقل، كما ينبغي أن تُلزم القوانين الحكومة وأصحاب العمل بإنشاء دور حضانة ملحقة بمواقع العمل، ودعم حصول العاملات على الوسائل والتقنيات الحديثة التي تساعد في التوفيق بين مسؤوليات العمل والأسرة. كذلك يخلو القانون من أي نص يتعلق بالتمييز الإيجابي لصالح المرأة.
أما قانون العمل لسنة 1997، الذي لا يزال سارياً رغم محاولات تعديله المتكررة، فيعاني من نواقص عديدة، فضلاً عن ضعف تطبيق بعض مواده. ومن أبرز صور التحايل فصل العامل أو العاملة قبيل انتهاء فترة التجربة، ثم إعادة التعيين بفترة تجربة جديدة، بغرض حرمانه أو حرمانها من حقوق الخدمة المستديمة.
كما يخلو القانون من النص على مبدأ الأجر المتساوي للعمل المتساوي، ولا يتضمن قواعد واضحة بشأن التعيين والترقي على أساس الكفاءة والمنافسة.
وثمة قصور كبير يتمثل في عدم شمول القانون للعاملين والعاملات في القطاع غير المنظم، الذين يُحرمون من الحماية القانونية، والضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي، والمعاشات. وتتعرض النساء العاملات في الأسواق للمضايقات والانتهاكات، بما في ذلك مصادرة أدوات عملهن، كما تفتقر العاملات في الزراعة والعمل المنزلي إلى الحماية الكافية، رغم وجود قانون خدم المنازل لسنة 1955، الذي لم يعد يواكب متطلبات الحماية القانونية الحديثة.
ولا تزال قضية العمل المنزلي غير المدفوع الأجر تمثل واحدة من أبرز مظاهر التمييز ضد النساء، إذ تتحمل المرأة، إلى جانب مساهمتها في إعالة الأسرة والعمل المأجور، أعباء العمل المنزلي والرعاية الأسرية لساعات طويلة، دون اعتراف اقتصادي أو اجتماعي بقيمة هذا الجهد، الأمر الذي يستوجب معالجة جادة ضمن السياسات العامة للدولة.

القصور في تطبيق قوانين العمل
تكشف الممارسة العملية عن استمرار تأثير الصور النمطية والأفكار المسبقة، والنظرة الأبوية والذكورية تجاه النساء، وهو ما يظهر في إجراءات التعيين، وكتابة تقارير الأداء، واختيار المشاركين في التدريب والترقيات.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك سؤال إحدى المهندسات، أثناء مقابلة للتعيين في وظيفة هندسية، عن كيفية الصلاة على الميت، في واقعة تعكس تحيزاً لا علاقة له بالكفاءة المهنية.
كما أظهرت إحصائية صادرة عن ديوان شؤون الخدمة، عام 2010، غياب النساء تماماً عن الدرجات القيادية الثلاث العليا في الخدمة المدنية، في حين تركزت الغالبية العظمى منهن في أدنى السلم الوظيفي.

تشريعات تحد من عمل النساء
توجد تشريعات أخرى تؤثر سلباً في مشاركة المرأة في سوق العمل، من بينها قانون الأحوال الشخصية، الذي ينص في إحدى مواده على اشتراط موافقة الزوج على عمل المرأة.
كما أسهم قانون النظام العام، الذي كان مطبقاً قبل إلغائه، في تقييد عمل النساء في الأسواق والطرق العامة، لا سيما العاملات في بيع المنتجات والخدمات.
إن تحقيق العدالة النسوية في مجال العمل لا يقتصر على تضمين الحقوق في الدساتير أو إصدار القوانين، وإنما يتطلب إرادة سياسية وتشريعية جادة تضمن إنفاذ تلك الحقوق، وإزالة كل أشكال التمييز المباشر وغير المباشر ضد النساء. كما يقتضي مراجعة القوانين السارية بما يتوافق مع الدستور والمواثيق الدولية، وتوسيع مظلة الحماية القانونية لتشمل العاملات في القطاع غير المنظم والعمل المنزلي والزراعي، والاعتراف بقيمة العمل المنزلي غير المدفوع ضمن السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يقل أهمية عن الإصلاح التشريعي بناء مؤسسات عدلية مستقلة ونزيهة، وتعزيز دور النقابات المهنية، وتمكين النساء من المشاركة في مواقع صنع القرار، ودعم منظمات المجتمع المدني والتنظيمات النسوية، إلى جانب الاستثمار في التعليم والتوعية القانونية والحقوقية. فالمجتمعات التي تضمن للنساء فرصاً متكافئة في العمل، وتحمي حقوقهن وكرامتهن، إنما تؤسس لتنمية أكثر عدلاً واستدامة، وترسخ دعائم الدولة الديمقراطية القائمة على المواطنة والمساواة وسيادة القانون.