Business is booming.

المرحلة الثالثة: هل نرفض الحوار أم نعيد هندسة شروطه؟

عصام عباس

اطلعت على المقال القوى والمتماسك الذي كتبه الباشمهندس خالد عمر يوسف على صفحته في الفيسبوك، والذي ربط فيه بدهاء وحنكة بين رؤية المؤتمر الوطني المحلول وبين ما يقوم به قائد الجيش من اجراءات.
أتفق مع البشمهندس خالد عمر في كثيرا مما اورده في مقاله ولكني اخصص هذه المساحة لمناقشة ما اسماه بالمرحلة الثالثة `”حوار الداخل وشرعنة سلطة العسكر”` واشاركه الهواجس بخصوصها وارتباطها بوثيقة المؤتمر الوطني التي يستشهد بها وانها تستحق أقصى درجات الحذر، خصوصا إذا كان المقصود بـ”حوار الداخل” حوارا يجري داخل الجزء الخاضع لسيطرة الجيش، وتحت شروط السلطة القائمة، بما يؤدي في النهاية إلى شرعنة الأمر الواقع ومنح المؤسسة العسكرية تفويضا سياسيا غير مستحق.

لكن ربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم، لماذا لا نتعامل بدهاء سياسي مع هذه المرحلة بدلا من رفض مبدأ الحوار من أساسه؟

إذا كان الطرف الآخر يريد حوارا داخليا، فلماذا لا نقبل بالحوار، ولكن نضع نحن شروط البيئة التي يجب أن ينعقد فيها؟
فالمشكلة ليست في الحوار كآلية سياسية، وإنما في الحوار غير المتكافئ، المحدود جغرافيا، والمختل سياسيا، والذي يجري تحت سلطة طرف من أطراف الحرب ثم يُقدَّم باعتباره حوارا وطنيا شاملا.

يمكن تحويل الحوار من أداة لشرعنة الأمر الواقع إلى اختبار حقيقي لجديّة السلطة العسكرية في الانتقال من منطق الحرب إلى منطق السلام، وذلك عبر حزمة واضحة من إجراءات بناء الثقة تسبق الحوار وترافقه.

أول هذه الإجراءات أن يكون حوار الداخل سودانيا بالفعل، لا حوارا داخل مناطق سيطرة الجيش فقط. لا يمكن أن يسمى حوارا وطنيا إذا استبعد مناطق واسعة من السودان، بما فيها نيالا وكاودا وطويلة وغيرها من المناطق التي يعيش فيها سودانيون لهم الحق نفسه في المشاركة في تقرير مستقبل بلادهم. الحوار الوطني ينبغي أن يكون عابرا لخطوط السيطرة العسكرية.

ثانيا، يجب أن تكون هناك معايير واضحة للمشاركة. وإذا كان المؤتمر الوطني، وفقا للطرح الوارد في المقال، يُنظر إليه باعتباره الفاعل السياسي الذي دعم مسار الحرب وسعى إلى استعادة السلطة من خلالها، فمن المشروع سياسيا وأخلاقيا أن يُطرح سؤال مشاركته في الحوار على أساس معايير موضوعية. من صنع الحرب، أو ساهم في استمرارها، أو رفض التحول المدني الديموقراطي، او ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، لا يمكن أن يكون طرفا في هندسة السلام.

ثالثا، لا يمكن مطالبة القوى المدنية، ولا سيما القوى التي أعلنت مواقف واضحة ضد الحرب، بالدخول في حوار بينما تواجه بلاغات جنائية وعقوبات تصل إلى الإعدام. ولذلك فإن من أهم إجراءات بناء الثقة أن يبادر الفريق البرهان إلى خطوات ملموسة، منها مراجعة وشطب البلاغات ذات الطابع السياسي، وإلغاء أحكام وعقوبات الإعدام المرتبطة بالنشاط السياسي والمقاومة المدنية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ووقف الاعتقالات خارج الضمانات القانونية.

ورابعا، ينبغي أن يترافق ذلك مع تقييد واضح لسلطات جهاز الأمن والاستخبارات في الاعتقال والاحتجاز، وإخضاع ممارسات الأجهزة الأمنية للقانون والرقابة القضائية، حتى لا يدخل أي طرف إلى الحوار وهو يشعر أن الحوار يجري بينما السيف مسلط على رقبته.

هذه ليست شروطا لتعطيل الحوار، بل هي شروط لجعله ممكنا وذا معنى.

بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، إذا كانت سلطة الأمر الواقع جادة فعلا في الدعوة إلى حوار داخلي، فلتكن هذه الإجراءات هي الاختبار الأول لهذه الجدية. فإذا استجابت لها، نكون قد انتقلنا خطوة من منطق انعدام الثقة إلى منطق بناء الثقة. وإذا رفضتها، يصبح واضحا أن المقصود ليس حوارا وطنيا وإنما إعادة إنتاج للسلطة القائمة عبر واجهة سياسية.

السياسة ليست دائما اختيارا بين القبول والرفض. أحيانا يكون الخيار الأذكى هو قبول المبدأ، ولكن إعادة صياغة شروطه بحيث يصبح من الصعب على الطرف الآخر استخدامه لمصلحته.

ولهذا ربما يكون من الأجدى ألا نقول: نرفض حوار الداخل، بل نقول:
نقبل بالحوار،
ولكن ليس حوار المؤتمر الوطني،
نقبل بالحوار الوطني الشامل،
وليس حوار مناطق السيطرة،
نقبل بالحوار تحت شروط بناء الثقة،
وليس تحت أسنة الاعتقالات والبلاغات والأحكام الجائرة،
ونقبل بالحوار الذي يقود إلى انتقال مدني ديمقراطي،
لا الحوار الذي يمنح العسكر تفويضا سياسيا.

في تقديري، هذه هي النقطة التي تستحق النقاش في فقرة المرحلة الثالثة من مقال الباشمهندس خالد عمر، كيف نحول مبادرة قد تكون مصممة لشرعنة الأمر الواقع إلى فرصة لإعادة ترتيب شروط العملية السياسية نفسها؟

فالدهاء السياسي لا يعني التنازل عن المبادئ، بل يعني أحيانا استخدام الأدوات التي يطرحها الخصم، ولكن بشروط تمنعه من الوصول إلى النتيجة التي يريدها.

مع كامل محبتي وتقديري

التاسع من أغسطس ٢٠٢٦