
ما بين وعود الرباعية وتوهان الخماسية: معركة الثنائية الخبيثة في السودان
لواء شرطة (م)
د. عصام الدين عباس احمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
المتابع لساحة اعلام الحرب في السودان ولخطابها المسموم وسردياتها الخبيثة لن تغيب عنه واحدة من أكثر الظواهر انتشارا وتأثيرا في تأزيم الوضع السياسي. فقد ظلت آلة الحرب، مدعومة بأصوات محسوبة على الحركة الإسلاموية والتيار الداعم للعودة للسلطة عبر فوهة البندقية وازيز المسيرات، تصر على اختزال الفضاء السياسي في ثنائية طورت بعناية وهي ما درجت على تسميته بثنائية التقييم البولياني (Boolean Classification) المعتمد على خيارين فقط لا ثالث لهما (نعم / لا، مع / ضد، ابيض / اسود، …. الخ).
لم يكن الخلاف في التوصيف هو منبع هذه الثنائية، بل صممت كمشروع لإعادة تشكيل المجال السياسي بأكمله بحيث لا يبقى أمام المواطن سوى خيارين. وبذلك تضيق مساحة الموقف الثالث، وهو الأوسع بين السودانيين والأكثر انتشارا: رفض الحرب وطرفيها معا، والدعوة إلى إنهائها وبناء دولة مدنية قادرة على إصلاح مؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية.
لماذا تُسمَّى الأشياء بغير أسمائها؟
السؤال هنا سياسي وليس لغوي، لماذا يُوصف الرافض لاستمرار الحرب بأنه مناصر للدعم السريع؟ ولماذا يُوصف معارض الحكم العسكري بأنه معاد للجيش؟ لماذا لا يُقال ببساطة إنه رافض للحرب، أو مناهض لتسيس المؤسسة العسكرية، أو داع إلى إصلاح القطاع الأمني؟
الإجابة أن هذه المسميات والتصنيفات لا تحمل الوصمة التي يريدها أصحاب هذا الخطاب. فوصف شخص او جهة ب “معاداة للجيش” يضعه في مواجهة مؤسسة ذات مكانة خاصة في الوجدان الوطني، بينما وصفه بأنه “رافض للحرب” يضعه في موقع يلتقي فيه مع ملايين السودانيين الذين أنهكتهم الحرب وفقدوا ممتلكاتهم وأمنهم ومصادر رزقهم وتضاءلت امامهم فرص بناء المستقبل المنشود.
من هنا تدخل المصطلحات المنتقاة بعناية فائقة الى ارض المعركة كواحدة من أسلحتها الحديثة وتصبح جزءا من ادوات السيطرة علي ميدان الوعي العام. فحينما يُختزل الموقف في “مع الجيش” و”ضده”، يسهل تحويل أي نقد لقياداته إلى عداء له، وأي مطالبة بإصلاحه إلى خصومة معه، وأي دعوة لوقف الحرب إلى انحياز لخصمه.
هل رفض الحرب يعني تأييد الدعم السريع؟
هذه من أكثر المغالطات شيوعا. حرص الاعلام المسموم على تغبيش وعي البسطاء من خلال تصوير الموقف الرافض لاستمرار الحرب كأنه تأييد للدعم السريع. السودانيون الذين يطالبون ب “لا للحرب” يرفضون وجود الدعم السريع كقوة موازية، بل يمتد رفضهم لاي تشكيلات عسكرية خلاف مؤسسة الجيش الوطني. من يرفضون الحرب هم ذاتهم من يطالبون بجيش قومي مهني وانهاء ظاهرة تعدد الجيوش، فكيف يكون موقفهم هذا معاد للجيش؟ يرفض الشعب السوداني مشروع الدعم السريع ويرفض ايضا العودة إلى الحكم العسكري، رافضو الحرب يدافعون عن الجيش كمؤسسة وطنية بينما ينتقدون قرارات قيادته ويطالبون بإصلاحه كمؤسسة طالها التخريب والتشويه المتعمد خلال سنوات سيطرة الإسلامويين.
هذه المواقف ليست متناقضة لأنها تتعلق بمستويات مختلفة من القضية. المؤسسة شيء وقيادتها شيء آخر، الدولة شيء والحكومة شيء آخر، الجيش شيء وكبار جنرالاته شيء آخر. واختزال هذه المستويات كلها في ثنائية “مع أو ضد” ما هو الا تبسيط متعمد لمشهد معقد.
كيف يُخاصَم الجيش من لجأ إليه؟
حينما هب السودانيون في ثورتهم الميمونة في ديسمبر 2018 اختاروا اللجوء الي القيادة العام للجيش. لم يكن في مخيلتهم من هم قادتها ولكنهم يعلمون رمزيتها وقيمتها ومواقفها التي سطرها التاريخ منذ ان انحازت اليهم في أكتوبر 1964 وفي ابريل 1985 ولم يخب ظنهم حينما اصطفت اليهم في ابريل 2019. هذه هي المؤسسة التي يرسمها المواطن البسيط في ذهنه وليس أولئك الجنرالات الطامحين الذين امتطوا ظهرها لتحقيق اغراضهم واحلامهم الذاتية. فهل أصبح من طالب الجيش آنذاك بحماية الثورة عدوا له فقط لأنه يطالبه اليوم بالعودة إلى دوره المؤسسي؟ الحقيقة أن المطالبة بإصلاح المؤسسة العسكرية ليست كراهية لها، بل قد تكون في جوهرها دفاعا عنها من التسييس والتوظيف الحزبي.
الجيش مؤسسة وليست اقطاعية مملوكة لقادته
من الأخطاء الخطيرة في الخطاب السياسي السوداني التعامل مع الجيش وكأنه مِلك حصري لقياداته. هذه القيادات ليست سوى شاغلي مواقع داخل المؤسسة لفترة محددة. فانتقاد رئيس الدولة لا يعني معاداة الدولة، وانتقاد الحكومة لا يعني معاداة الشعب، وبالتالي انتقاد قيادة القوات المسلحة لا يعني معاداة الجيش. بل إن المؤسسة العسكرية نفسها لا يمكن أن تبقى فوق المساءلة، خصوصا حين تمس قرارات قادتها حياة ملايين المواطنين ومستقبل الدولة.
من هم خصوم الجيش الحقيقيون؟
إذا كان الدفاع عن الجيش يعني الدفاع عن مؤسسة مهنية خاضعة للسلطة المدنية وملتزمة بالقانون، فإن خصوم هذا المفهوم ليسوا بالضرورة من يطالبون بإصلاحه. السؤال الأجدر بالطرح هو من يريد استخدام الجيش أداة لمشروع سياسي؟ ومن يربط بقاء الدولة ببقاء مجموعة بعينها من القادة؟ ومن يرفض إصلاح علاقة المؤسسة العسكرية بالحياة السياسية والاقتصادية؟
كذلك ينبغي التمييز بين المؤسسة وبين أفراد قد يستغلون مواقعهم داخلها لتحقيق طموحات سياسية أو مصالح شخصية لا تتطابق بالضرورة مع أهداف المؤسسة نفسها. والإجابة في الدولة المؤسسية واضحة وهي ان نحاسب المسؤول عن القرار، ونصلح الخلل المؤسسي، ونحافظ على المؤسسة، أما تحويلها بأكملها إلى حصانة سياسية لقادتها فيضرّها أكثر مما يحميها.
لماذا تُخيفهم كلمة “الإصلاح”؟
ما إن يُطرح الحديث عن إصلاح المؤسسة العسكرية، حتى تستنفر الآلة الإعلامية للإسلامويين، وتتحرك أقلامها في حملة مضادة تحاول تصوير الإصلاح وكأنه استهداف للجيش أو انتقاص من مكانته الوطنية. وهي حملة لا تقل خطورة في أثرها السياسي عن الخطاب الذي دفع بالقوات المسلحة إلى قلب الصراع السياسي والعسكري، سواء خلال حقبتهم السابقة أو في سياق الحرب الراهنة، سعيا إلى استعادة نفوذهم وموقعهم في الدولة.
لكن لماذا تثير كلمة “الإصلاح” كل هذا القلق والغضب لدى هذه الجماعة؟ هل لأن الإصلاح، ببساطة، يفتح الباب أمام أسئلة مؤجلة ظلت تدور في أذهان السودانيين: من الذي يملك حق توظيف المؤسسة العسكرية؟ وما حدود دورها في السياسة؟ ومن يحاسب قياداتها عندما تتجاوز المؤسسة وظيفتها الوطنية؟ وهل المطلوب حماية الجيش كمؤسسة، أم حماية بعض الذين يتولون قيادته من النقد والمساءلة؟
هذه الأسئلة تقع في صميم إصلاح القطاع الأمني والعسكري، ولا علاقة لها بكراهية الجيش، بل إن الدولة التي تريد جيشا قويا ومستداما تحتاج إلى طرحها بجرأة. فالجيش القوي ليس الجيش الذي يُحرَّم نقد قيادته، بل الجيش الذي تحميه المهنية والمؤسسية والقانون، وتحدد له الدولة الديمقراطية وظيفته بوضوح.
لماذا يحرص الخطاب الإسلاموي السياسي على تقديم نفسه بوصفه المدافع الحصري عن الجيش؟ وهل الدفاع عنه يعني بالضرورة الدفاع عن مشروع سياسي بعينه أو عن استمرار الحرب؟ إذا كان كذلك، فإن الخطر لا يكمن فقط في الخلط بين الجيش وقياداته، بل في الخلط بينه وبين مشروع سياسي يسعى لاستخدامه. فالجيش الوطني لا يحتاج إلى حزب يتحدث باسمه، ولا إلى من يوزّع صكوك الوطنية، ولا إلى أن يصبح نقد قيادته جريمة سياسية.
المشكلة ليست في الجيش بل في موقعه داخل الدولة
السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس “هل أنت مع الجيش أم ضده؟”، لأنه لا يوجد عاقل يعادي جيش وطنه، بل السؤال هو أي جيش نريد؟ في أي دولة؟ تحت أي سلطة؟ ولأي وظيفة؟ نريد جيشا وطنيا مهنيا لا مسيَّسا، يحمي الحدود والدستور دون أن يقرر شكل النظام السياسي، ونريد إصلاحا أمنيا وعسكريا يحمي الجيش من التسييس كما يحمي الدولة من عسكرة السياسة. وهذه الدعوة ليست خصومة مع الجيش، بل محاولة لاستعادة العلاقة الصحيحة بينه وبين الدولة والمجتمع.
خلاصة القول: معركة المصطلحات ليست بريئة
حين يُسمّى رافض الحرب “مناصرا للدعم السريع”، ومعارض الحكم العسكري “كارها للجيش”، والمطالب بإصلاح المؤسسة “عدوا لها”، فنحن، حينها، امام مشروع صمم بعناية لإلغاء اكبر مساحة سياسية تمتد جغرافيتها لتشمل جميع من يرفضون الاصطفاف مع أي طرف من طرفي الحرب، مساحة ستظل تتمدد كلما انطلقت قذيفة او حلقت مسيرة او اهتزت الأرض لانفجار لغم مشؤوم، وكلما صرخت ثكلى وارملة، او سالت دموع طفل، او علا انين شيخ مريض تقطعت به السبل.
السواد الاعظم من السودانيين، وفقا لدراسة علمية نفذتها مبادرة نداء السودان، يريدون إنهاء الحرب ووقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وإعادة بناء الدولة وإصلاح مؤسساتها الأمنية، وإقامة نظام مدني ديمقراطي. هؤلاء ليسوا بالضرورة أنصارا للدعم السريع، وليسوا أعداء للجيش، إنهم ببساطة رافضون للحرب ولتسييس مؤسسات الدولة، ومتمسكون بفكرة الدولة المدنية. وإجبارهم على اختيار أحد طرفي الحرب لا يخدم الجيش ولا السودان.
فالجيش الذي يحتاجه السودان بعد هذه الحرب لن يكون أقوى لأنه أسكت منتقديه، بل لأنه استعاد مهنيته ووحدته المؤسسية وشرعيته الوطنية، وأصبح مؤسسة للدولة كلها وعلى مسافة واحدة من الجميع دون الوقوع في شرك الانتماءات السياسية. وهنا، تحديدا، يجب أن يبدأ النقاش الجاد حول إصلاح القطاع الأمني والعسكري في السودان – فالإصلاح ليس عداء للجيش، بل هو منع أي جهة، أيا كان موقعها، من اختطافه باسم الدفاع عنه.