الكرّاف

د الطيب حاج مكي

لم يكن الكراف الشمّام رجلاً بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، بل كان حالةً سائلةً تبحث عن وعاء. وقد شاءت الأقدار أن يتخذ هيئة إنسان سوداني يتنقل بين المدن والوجوه والآراء كما تتنقل قطرة الزيت فوق سطح الماء؛ لا تغرق فيه ولا تمتزج به، لكنها لا تكف عن ملامسته. كان شديد اللزوجة حتى إن الأفكار التي تقترب منه تخرج وهي تحمل شيئاً من أثره، وشديد الشفافية حتى إن الجميع كانوا يرون دوافعه من خلاله كما تُرى الأسماك في ماء ضحل. جمع في تكوينه الفطري واللاحق بين صفتين قلّما تجتمعان: وضوح الغاية وموت الضمير. أما عقله فكان ميكافيلياً على نحوٍ يجعل ميكافيلي نفسه يبدو هاوياً ساذجاً أمامه. لم يكن يؤمن بالمبادئ إلا بوصفها جسوراً مؤقتة لعبور الأنهار، فإذا عبرها أحرقها خلفه كي لا يعود إليها أحد. وكان يرى أن الثبات على الموقف نوع من الكسل الفكري، وأن الوفاء للفكرة عجز عن مواكبة الفرص المتحركة. لكن أعجب ما في الكراف الشمّام لم يكن ذكاءه المزعوم، بل أنفه. ذلك الأنف الأسطوري الأفطس الذي لم يُخلق لشمّ رائحة الدعاش في الرشاش ولا كرف نسيم المطر فوق رمال كردفان، ولا عبق البن في مقاهي الخرطوم، ولا نسيم النيل ساعة المغيب. لقد خُلق لغرض واحد: اقتناص رائحة المصلحة.
كان يشمّها كما تشمّ الذئاب الدم. بل ربما أفضل.
يُقال إنه كان يستطيع أن يلتقط اهتزاز مصلحة صغيرة في الفاشر وهو جالس في الخرطوم يحتسي الشاي. وفجأةً يرتفع رأسه، تتسع فتحات أنفه، وتتحول إلى ما يشبه ماسورة ، ويبدأ جسده كله في الارتعاش كإبرة بوصلة أصابها الجنون. عندها يعرف المحيطون به أن مصلحةً ما قد وُلدت في مكان بعيد، وأن الكراف الشمّام قد تلقى النداء.فيتحرك.
لا يسأل عن الأمس. لا يلتفت إلى تصريحاته السابقة. بل لا يكترث للخطابات الحماسية التي ألقاها قبل ساعات امام الثوار.
فالأمس عنده مجرد مسودة رديئة للحاضر، والحاضر مجرد سلم مؤقت نحو منفعة أكبر. وكان إذا ذُكّر بمواقفه القديمة ابتسم ابتسامة الواثق من عبقريته وقال على طريقة منصور خالد:
“الناس يسمون هذا تناقضاً لأن أنوفهم ضعيفة الكرف .” وكان مقتنعاً تمام الاقتناع بأنه أذكى أبناء جيله. أما الآخرون، في نظره، فمجرد ضحايا للأخلاق الزائدة عن الحاجة. لم يفهم قط لماذا يتمسك الناس بكلمات قالوها بالأمس، ولماذا يدافعون عن مبادئ لا تدر عليهم أرباحاً ملموسة. وكان يعتبر الضمير نوعاً من الأثاث القديم الذي يحتفظ به الفقراء العاطفيون داخل أرواحهم. ومع مرور الزمن تحوّل الكراف الشمّام إلى كائن لا شكل له تقريباً. كثرة التحولات جعلت ملامحه تذوب. صار يشبه الجميع ولا يشبه أحداً. كلما نظر في مرآة رأى وجهاً مختلفاً. وكلما حاول أن يتذكر موقفاً ثابتاً في حياته وجد فراغاً واسعاً يعوي فيه الصدى. ولأن لكل حاسة عقابها الخفي، بدأت روائح المصالح تتكاثر حوله حتى اختلطت عليه الاتجاهات. صار يشمّ ألف رائحة في اللحظة الواحدة. مصلحة هنا، موقف ضد اهله وعشيرته الأقربين ومصلحة هناك، ووعد في هذا الأفق، وغنيمة في ذاك الاتجاه.أصبح أنفه الأفطس الذي قاده طويلاً يشبه طاغيةً صغيراً يسكن وجهه. ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.اختفى الكراف الشمّام.
في صباح عادي تماماً، اختفى كما تختفي فقاعة صابون بعد أن تعكس ضوء الشمس لثانية واحدة. قال البعض إن النيل ابتلعه. فقد ظل يركض خلف سراب منفعة يلوح من الضفة الأخرى حتى خانه توازنه وسقط.
وقال آخرون إن رمال الصحراء الكبرى ضاقت بتقلباته، فقبضت عليه وحولته إلى مومياء صغيرة خفيفة الوزن، يمكن لعاصفة واحدة أن تحملها من بلد إلى بلد دون أن يشعر بها أحد.
أما الرواية التي يتداولها العارفون همساً، فهي أكثر غرابة. يقولون إن الشمّام شمّ ذات ليلة أعظم مصلحة في حياته. كانت رائحتها كثيفةً ومغريةً إلى درجة أنه فقد ما تبقى له من حذر. ظل يتبعها أياماً وليالي حتى وصل إلى فوهة سرداب مظلم بلا نهاية.
وكان السرداب قد ابتلع قبله كثيرين.
سياسيين. وتجار شعارات. تجار صمغ عربي.وباعة أوهام.
ومثقفين استبدلوا الحقيقة بالمنفعة.
وقف الكراف بن الشمّام عند الحافة لحظة واحدة فقط.ثم قفز. ثم قفز ثم أدبر. ثم تلاشى في خطوط سرابية.
ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد يعرف مصيره.
لكن بعض الحكماء قالوا إن السرداب لم يبتلعه هو وحده، بل ابتلع الفكرة التي عاش بها. فهناك نقطة بعيدة في آخر الطريق تتحول عندها المصلحة من خادمٍ للإنسان إلى وحشٍ يلتهم صاحبه.
وهكذا انتهت حكاية الشمّام، الرجل الذي كان يشمّ كل شيء إلا رائحة الهاوية. وكان يرى نفسه الأذكى بين الناس جميعاً، حتى أثبتت له الهاوية ، متأخرةً كعادتها ، أنها كانت الأذكى.
٨-٣-٢٠٠١م