
رحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني… القائد الذي بنى دولةً ومدّ جسور الخير إلى السودان
مهدي داود الخليفة
برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تنعى قطر أميرًا سابقًا فحسب، بل تودع أحد أبرز القادة العرب الذين أعادوا صياغة مفهوم الدولة الخليجية الحديثة، ورسخوا نموذجًا يقوم على الاستثمار في الإنسان، وبناء المؤسسات، والتخطيط للمستقبل، والدبلوماسية الفاعلة. فهناك قادة يتغير بهم تاريخ أوطانهم، وهناك آخرون يمتد أثرهم إلى خارج حدود بلادهم، وكان الشيخ حمد واحدًا من هؤلاء.
لقد أدرك الشيخ حمد منذ توليه الحكم عام 1995 أن الثروة النفطية والغازية، مهما بلغت، ليست ضمانة لمستقبل الدول إذا لم تتحول إلى استثمار في التعليم، والاقتصاد، والبحث العلمي، والبنية التحتية، والإنسان. ومن هنا انطلقت نهضة قطر الحديثة، التي لم تكن مجرد طفرة عمرانية، وإنما مشروعًا وطنيًا متكاملاً تُوِّج بإقرار الدستور الدائم، وإطلاق رؤية قطر الوطنية 2030، وتأسيس اقتصاد أكثر تنوعًا، وتعزيز مكانة قطر بوصفها دولة ذات حضور سياسي ودبلوماسي وإنساني مؤثر.
لكن عظمة القادة لا تُقاس بما يحققونه داخل حدود أوطانهم فحسب، بل أيضًا بما يقدمونه للأشقاء والأصدقاء. وفي هذا الجانب، سيظل السودان يحتفظ للشيخ حمد بمكانة خاصة. فقد كان الأمير الوالد محبًا للسودان، مؤمنًا بإمكاناته، وحريصًا على أن يكون لقطر دور في استقراره وتنميته.
شهدت العلاقات السودانية القطرية في عهده أزهى مراحلها، حيث أسهمت قطر في تمويل عشرات المشروعات التنموية في مجالات الزراعة، والصحة، والتعليم، والإسكان، والطرق، والخدمات الأساسية، كما قدمت دعمًا إنسانيًا واسعًا للمجتمعات المتأثرة بالنزاعات والكوارث.
ولم يقتصر هذا الدعم على المشروعات والمؤسسات، بل امتد إلى الإنسان السوداني نفسه. فقد فتحت قطر أبوابها لعشرات الآلاف من السودانيين الذين عملوا في مختلف القطاعات، من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والمعلمين، إلى أفراد الشرطة والكوادر الفنية والعمال المهرة، وأسهموا بإخلاص في مسيرة النهضة القطرية. وقد وجد هؤلاء السودانيون في عهد الأمير الوالد كل تقدير واحترام، وعوملوا باعتبارهم شركاء في البناء والتنمية، لا مجرد قوة عمل وافدة. كما وفرت لهم دولة قطر، ولأسرهم وأبنائهم، بيئة مستقرة وخدمات تعليمية وصحية متميزة، حتى غدت في وجدان كثير منهم وطنًا ثانيًا احتضنهم ومنحهم فرص العمل والعيش الكريم. ولذلك فإن روابط المحبة بين الشعبين لم تُبنَ على المصالح السياسية وحدها، بل تأسست أيضًا على علاقات إنسانية واجتماعية عميقة، عززها ما وجده السودانيون في قطر من كرم الضيافة، والاحترام، والتقدير.
ولعل أبرز ما سيبقى في سجل الشيخ حمد تجاه السودان هو إيمانه بأن السلام لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما بالحوار والتنمية. لذلك احتضنت الدوحة سنواتٍ من المفاوضات الشاقة بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في دارفور، حتى تُوِّجت بوثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011، التي مثلت في حينها أهم محاولة عربية وإقليمية لإنهاء أحد أكثر النزاعات تعقيدًا في القارة الإفريقية.
ورغم ما واجهته الوثيقة من تحديات سياسية وميدانية، فإن الدور القطري ظل نموذجًا لوساطة عربية اتسمت بالصبر، والحياد النسبي، والاستعداد لتحمل أعباء إعادة الإعمار، إذ لم تكتفِ قطر برعاية الاتفاق، بل خصصت موارد كبيرة لتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار والتنمية في دارفور، إيمانًا منها بأن التنمية هي الضامن الحقيقي لاستدامة السلام.
ومن الإنصاف، ونحن نستذكر تلك المرحلة، أن نعترف بأن كثيرًا من المشروعات التنموية التي مولتها قطر في السودان لم تحقق كامل أهدافها، ليس بسبب تقصير من الجانب القطري، وإنما نتيجة الفساد الإداري، وضعف الحوكمة، وسوء إدارة الموارد في ظل النظام السابق. لقد ضاعت فرص كبيرة كان يمكن أن تُحدث تحولًا اقتصاديًا وتنمويًا حقيقيًا لو وُجدت إدارة وطنية رشيدة تضع مصلحة السودان فوق المصالح الضيقة.
ولذلك فإن الحزن الذي خيّم على كثير من السودانيين عقب إعلان وفاة الشيخ حمد لم يكن مجرد تعاطف مع رحيل قائد عربي، بل كان تعبيرًا عن الوفاء لرجل وقف إلى جانب السودان في أوقات كان فيها كثيرون يديرون ظهورهم له، وآمن بإمكاناته، وسعى إلى أن يكون شريكًا في تنميته واستقراره.
لقد ترك الشيخ حمد إرثًا سياسيًا وإنسانيًا يتجاوز حدود قطر. فقد أسهم في ترسيخ مكانة بلاده كوسيط موثوق في النزاعات الإقليمية، وكدولة جعلت من العمل الإنساني والتنمية جزءًا من سياستها الخارجية، وهو النهج الذي واصلته دولة قطر بقيادة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، محافظةً على دورها في دعم جهود السلام، والإغاثة الإنسانية، والتنمية في مختلف أنحاء العالم.
إن الشعوب لا تنسى من أسهموا في بناء أوطانهم، ولا تنسى من مدّوا إليها يد العون بإخلاص. ولذلك سيظل اسم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرة السودانيين كما هو حاضر في ذاكرة القطريين، بوصفه قائدًا جمع بين الرؤية، والإنجاز، والإنسانية.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وألهم شعب قطر وقيادته الصبر والسلوان. وستظل قطر، بما أرسته من مؤسسات، وما تبنته من رؤية، وما قدمته من خير، واحةً للرخاء والتنمية والسلام، وفيةً للإرث الذي تركه أحد أعظم بناة نهضتها الحديثة.