
لماذا تضغط إيران على دول الخليج عند مواجهة الولايات المتحدة؟
بقلم: الدكتور محمد إحسان
جامعة ييل
مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يبرز أحد أهم الأسئلة الجيوسياسية: لماذا تمارس طهران ضغوطًا متكررة على دول الخليج بدلًا من تركيز مواجهتها على واشنطن وحدها؟
للوهلة الأولى، يبدو ذلك متناقضًا. فمعظم دول الخليج دعت باستمرار إلى ضبط النفس، وسعت إلى تجنّب التحول إلى ساحة للصراع، ولا مصلحة لها في الانجرار إلى مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. ومع ذلك، تجد نفسها باستمرار في صلب الحسابات الاستراتيجية الإيرانية.
ويكمن تفسير ذلك في عقيدة الردع التي تتبناها إيران. فطهران تدرك أنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة عسكريًا في حرب تقليدية، لذلك تعتمد استراتيجية تقوم على رفع الكلفة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية لأي عمل عسكري أمريكي ضدها. وتحتل دول الخليج موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، لأنها تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، وتدعم العمليات العسكرية الأمريكية، وتمثل قلب سوق الطاقة العالمي. ومن خلال التهديد الموجّه إلى هذه الدول، تبعث إيران برسالة إلى واشنطن مفادها أن أي هجوم على الجمهورية الإسلامية سيؤدي حتمًا إلى زعزعة استقرار أقرب شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
لذلك، فإن هدف إيران ليس السيطرة على الخليج أو خوض صراع دائم مع جيرانها العرب، بل دفع الحكومات الخليجية إلى تبنّي مواقف داعمة للتهدئة. فإذا شعرت هذه الدول أن أي تصعيد ضد إيران قد يعرّض مدنها ومطاراتها وموانئها ومنشآتها النفطية وبناها التحتية الحيوية لردٍّ انتقامي، فسيكون لديها دافع قوي لتشجيع الدبلوماسية ومعارضة المواجهة العسكرية. ومن وجهة نظر طهران، فإن تحويل حلفاء الولايات المتحدة إلى أصوات تدعو إلى خفض التصعيد يُعد استراتيجية أكثر فاعلية بكثير من مواجهة واشنطن بصورة مباشرة.
ولا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن البعد العسكري. فالخليج يُعد من أهم مراكز الطاقة في العالم، ويُصنف مضيق هرمز واحدًا من أكثر الممرات المائية أهمية من الناحية الاستراتيجية. وقد أدركت إيران منذ فترة طويلة أن حتى الاضطرابات المحدودة في حركة الملاحة البحرية أو منشآت الطاقة يمكن أن تكون لها تداعيات عالمية. فارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن، وتصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق، وتعطل التجارة الدولية، جميعها عوامل تمتد بآثار أي صراع إقليمي إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. وفي حسابات طهران، قد يحقق الضغط الاقتصادي ما تعجز القوة العسكرية وحدها عن تحقيقه.
وهناك أيضًا هدف نفسي واستراتيجي. فإيران تسعى إلى إثبات أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يُبنى مع استبعادها من معادلة توازن القوى في المنطقة. وعلى مدى عقود، اعتمدت المنظومة الأمنية في الخليج بدرجة كبيرة على المظلة العسكرية الأمريكية. ومن خلال إظهار أن أنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة لا تستطيع التصدي لجميع التهديدات، تسعى طهران إلى تقويض الثقة في تلك الضمانات الأمنية. وكل ضربة ناجحة أو تهديد ذو مصداقية يعزز الحجة الإيرانية بأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يعتمد على التحالفات العسكرية وحدها، بل يجب أن يشمل أيضًا انخراطًا سياسيًا مع طهران.
ويُعد النفوذ الدبلوماسي عاملًا أساسيًا آخر في هذه الاستراتيجية. فإيران تدرك أن دول الخليج تتمتع بتأثير كبير في واشنطن عبر الشراكات الأمنية، والعلاقات الاقتصادية، والتعاون في مجال الطاقة. وإذا ازدادت مخاوف القيادات الخليجية من أن الصراع مع إيران يهدد أمنها الوطني وازدهارها الاقتصادي، فقد تكثف جهودها لإقناع الولايات المتحدة بإعطاء الأولوية للمفاوضات بدلًا من التصعيد العسكري. وبهذه الطريقة، يصبح الضغط على الخليج وسيلة غير مباشرة للتأثير في عملية صنع القرار الأمريكي.
ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية ليست خالية من المخاطر. فكل هجوم أو تهديد يستهدف دول الخليج قد يؤدي إلى تعزيز التعاون الإقليمي في مواجهة إيران، ويشجع على زيادة الانخراط العسكري الأمريكي، ويُسرّع الاستثمارات في منظومات الدفاع الجوي المتكاملة، ويعمّق الشراكات الأمنية بين الدول العربية وواشنطن. وهكذا، فإن استراتيجية صُممت لردع الضغوط الخارجية قد تُفضي في نهاية المطاف إلى نتيجة معاكسة، عبر تعزيز التحالف الإقليمي الذي تسعى إيران إلى إضعافه.
وهنا تكمن المفارقة في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية. فطهران تعتقد أن إظهار قدرتها على فرض كلفة باهظة على خصومها يعزز الردع ويدفع نحو الدبلوماسية، بينما يرى خصومها أن هذه الممارسات نفسها تبرر تعزيز التعاون العسكري وتكثيف جهود احتواء إيران. والنتيجة هي حلقة متواصلة من التصعيد، يصبح فيها كل سعي لتعزيز الردع سببًا في تعميق انعدام الثقة ورفع مستويات التسلح في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، لا تستهدف إيران دول الخليج لأنها تعدّها خصومها الرئيسيين، بل لأنها تمثل نقاط الضغط الأكثر فاعلية للتأثير في الاستراتيجية الأمريكية. وتسعى طهران إلى إفهام واشنطن وحلفائها في المنطقة أن أي مواجهة عسكرية معها لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية، بل ستمتد آثارها إلى منطقة الخليج، وتربك أسواق الطاقة العالمية، وتعطل التجارة الدولية، وترفع كلفة الصراع على جميع الأطراف.
وفي جوهرها، تستند الاستراتيجية الإيرانية إلى معادلة بسيطة: فإذا لم تتمكن من منع الضغوط العسكرية الأمريكية عبر القوة التقليدية، فإنها ستسعى إلى جعل كلفة تلك الضغوط مرتفعة إلى الحد الذي يجعل الدبلوماسية الخيار الأكثر جاذبية لجميع الأطراف.