حرب المسيرات “حرب جنون”

إمام الحلو
22 مارس 2026

شكيري هي قرية وادعة تقع على الضفة الغربية لنهر النيل الابيض شمال مدينة الدويم، ثاني أكبر مدن ولاية النيل الأبيض بعد مدينة كوستي.. والضعين هي عاصمة ولاية شرق دارفور تقع في الجنوب الغربي لمدينة نيالا أكبر مدن إقليم دارفور، وتعتبر مركزا تجارياً عمرانياً كبيراً. تبلغ المسافة الطرقية التقريبية بين مدينة الدويم ومدينة الضعين حوالي 500 كيلومتر تقريباً، وتستغرق الرحلة بالسيارة ما يقارب الـ 6 ساعات اعتماداً على حالة الطريق ومساره.
في شهر مارس (شهر الكوارس (الكوارث)) تعرضت شكيري والضعين إلى هجوم مسيّرات دموي أودى بحياة ارواح عديدة من المدنيين الأبرياء بينهم نساء وأطفال.
* الاربعاء 11 مارس: تعرضت قرية شكيري ومدرستها لقصف بطائرتين مسيّرتين تابعتان لقوات الدعم السريع، وفقاً لتصريح لجنة العدالة (CFJ) وهي جمعية مستقلة مكرسة للدفاع عن حقوق الإنسان، ومقرها جنيف، سويسرا، وأن هذا الهجوم أدى إلى مقتل 16 من المواطنين وإصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. وتشير المعلومات الأولية إلى أن من بين القتلى أربعة معلمين، في حين سقط ضحايا آخرون من المدنيين بينهم نساء.
* الجمعة 20 مارس اول ايام عيد الفطر المبارك: تعرضت الضعين ومستشفاها التعليمي إلى هجوم طائرات مسيرة تابعة للجيش السوداني، وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في منشور على منصة إكس: “لقد تحقّقت منظمة الصحة العالمية من هجوم جديد على مرافق الرعاية الصحية في السودان. هذه المرة، استُهدف مستشفى الضعين التعليمي في عاصمة شرق دارفور، ما أسفر عن مقتل 64 شخصاً على الأقل، بينهم 13 طفلاً، وممرضتان، وطبيب واحد، وعدد من المرضى”.
إن هذه الأحداث هي جرائم ضد المدنيين السودانيين الأبرياء، تقع تحت طائلة القانون الدولي الانساني، وتقع تحت طائلة العرف السوداني المانع لقتل النساء والاطفال والعُزّل من الرجال، وتحت طائلة المنع القرآني لقتل المؤمن عمداً.. ” وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا” [النساء:93].
إن تنصل ونفي أطراف الحرب من مسئولية هذه الاحداث الدامية والجرائم البشعة، لا يعفيها من المساءلة ولن يساعدها في الإفلات من العقاب. وأن حادثتي شكيري والضعين ليستا أول ولا آخر جرائم حرب المسيرات التي استهدفت المدنيين، وبعض الأمثلة ما حدث خلال شهر مارس فقط من إنتهاكات حرب المسيرات:
* الخميس 5 مارس: تعرضت مدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان، لقصف مدفعي وضربات بطائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع. وأفاد مصدر طبي في المستشفى المحلي للوكالة بمقتل 28 شخصًا وإصابة ستين آخرين، بينهم أطفال ونساء، نتيجة الضربات التي استهدفت المدينة.
* الأحد 8 مارس : تعرض سوق مدينة الضعين لقصف بطائرات مسيّرة تابعة للجيش السوداني، أستهدفت متاجر ومنازل مواطنين أسفرت عن مقتل 6 اشخاص و7 جرحى .
* الإثنين 9 مارس: استهدف مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض فجر الاثنين،طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع،حلّقت في سماء المدينة وأطلقت أكثر من ستة صواريخ باتجاه داخلية أم دبيكرات القوز التابعة لجامعة الإمام المهدي، إضافة إلى مبنى إدارة النشاط الطلابي المجاور بمنطقة أبو شريف. وأن القصف أسفر عن ثلاث إصابات وسط طلاب الداخلية، إضافة إلى إصابة أحد العاملين.
* الثلاثاء 10 مارس : أسفر هجوم بطائرة مُسيرة تابعة للجيش السوداني على شاحنة صغيرة كانت تقل عشرات الأشخاص الثلاثاء لحضور جنازة في ولاية جنوب كردفان. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر طبي في مستشفى محلي قوله: “قُتل أمس 40 شخصا غالبيتهم من النساء، عندما استهدفت مسيرة عربة دفار (شاحنة بيك-آب) في الطريق ما بين أبوزبد والفوله”.
إن استهداف المواطنين والمرافق المدنية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، يمثل انتهاكًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية، وتُلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحمايتهم.
قالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون، في مقطع فيديو نشرته الأمم المتحدة: تعليقا على قصف المسيّرات على السكان والأعيان : “هذه الحرب جنون”.
فكما هو حالنا اليوم لاجئين ونازحين وعالقين ومشردين، تأتي حرب المسيّرات فتزداد همومنا ويتضاعف حزننا، ويتمثلنا قول الشاعر:
وصدر أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب

إن الإدانات وحدها لا تكفي ولا تدرأ عن المواطنين المدنيين شر هذه المسيّرات، وعلى القوى المدنية والسياسية توجه مطالبها إلى جميع أطراف النزاع في السودان إلى الوقف الفوري لاستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية، والالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني بما يضمن حماية السكان المدنيين.
وإن الضمير الوطني يستدعي أن تطالب كل القوى المدنية والسياسية وعلى رأسها حزب الامة القومي بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل وشفاف في كل حوادث إستهداف المدنيين بقصف الطائرات المسيّرة. ولتبدأ هذه التحقيقات بواقعتي القصف التي استهدفت كل من قرية شكيري بولاية النيل الأبيض والمستشفى التعليمي بالضعين بولاية شرق دارفور، وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم.