
خطاب الحرب.. قراءة في تناسل العجز وعقم الغيرة الوطنية
المشهد الأول
ثلاث سنوات انقضت من هذه الحرب كانت المحصلة الرئيسية دمار شامل للإقتصاد الوطني والبنية التحتية وتشرد ونزوح ومشاهد من الماساة الانسانية وتخوين وانشقاقات وتمزق في البنية الاجتماعية واتساع لسطوة مافيا الفساد والحروب ولوردات الغنائم وعشرات الالاف من الضحايا الذين ضاقت الأرض ولم تتسع لأجسادهم التي تناهشتها حظوظهم العاثرة ونهاياتهم الكئيبة . ثلاث سنوات من المأساة وصناعها لايزالون يتقاسمون الغنائم ويتبادلون الأحضان والقبلات وأرجلهم معطنة بدماء الشهداء يستقوون بالسلاح على الضعفاء والعزل ويتغافلون عن انتهاب البلاد وانتقاص اطرافها ويتفاخرون بتناسل المليشيات وغمامات الجهل السوداء التي تغطي ملامح الحقيقة بضجيج الأبواق التي تجمل قبح الواقع وتحول المجرمين إلى ابطال .
المشهد الثاني
يصوره الأستاذ د صلاح الزين فيرمي بشهاب ثاقب يروي مفارقات الخطاب الحربي وأي حرب هذه ، إنْ كان ثمةَ تعريفٌ لها، فهي السياسة عندما تنضو عباءة السياسة ولَبوسَها وتسعى بين الناس عاريةً كشمسِ ظهيرةٍ استفاقت لتوها. ولكلِ كائنٍ يسعى يلزَمُه خيال يغطي عُرْيها: الخيال السياسي الذي، بدوره، له لَبوسه الفكري والطبقي والثقافي وحتى الأسطوري والفانتازي. والخيال السياسي لبنية الخطاب هو، ضمن تعريفات أخرى، ما يقوله ويصمت عنه ذات الخطاب معية إفصاحات سياسية وفكرية تنوس ما بين القول والصمت، صمتٌ يقول وقولٌ يصمت. بقولٍ آخر، تتوفر بنية الخطاب علي قدر من السيولة الخطابية التي بها تمدد أطراف البنية الخطابية وتقصرها إن اقتضت ذلك الضرورة الخطابية. استراتيجية وتكتيكات خطابية من غيرها لا يكون للخطاب حضورًا جوار الخطابات الأخرى في الفضاء التاريخي المعين والمحدد. فالخطاب، أي خطاب، يوجد جوار خطابات أخرى تتنازع السيادة والسيطرة على المشهد السياسي والفكري والطبقي. قد تتجاور تلك الخطابات وتتساكن وقد تتنازع وتتنافر وفق ما تقتضيه الضرورة التاريخية لصراعات الخطابات حول السيطرة والهيمنة. بل حتى الخطاب نفسه ليس بمُحَصَّنٍ عن صراع المستويات التي تكون ذات البنية وحركة تبدلاتها وانتقالاتها ما بين قطبَيْ السيطرة والهيمنة. وما كانت حكومة الانتقال، التي أعقبت انتفاضة الديسمبريين، بقيادة قوى الحرية والتغيير “قحت” استثناءّ. كان نهوضُ خطابِ الديسمبريين بشعاراته وبرنامجه السياسي والفكري، الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، مقاربة تاريخية وتفكيكية لخطاب دولة ما بعد الاستعمار، الدولة الكولونيالية، في إرثها الممارسي والنظري. لم يكن الخطاب الديسمبري خطابًا لمجاورة ومساكنة ما سبقه من خطابات. كان خطابًا لنفيها وفق قراءة استبطانية لبنيات الخطاب السابق المسيطر. لا خطابًا يُقرأ كامتدادٍ واستطالةٍ لما سبقه من خطابات سقطت في وحل قراءتها نفسها لما سبق من خطابات. قراءة تقطع وتتصل، في ذات الآن، مع ما سبقها من انحناءات القوس الخطابي في الممارسة والفكر السياسي السوداني. ترجَّلتْ حكومة الانتقال منذ بداياتها عن سرج حلم الديسمبريين وشعاراتهم: حرية سلام وعدالة، العسكر للثكنات والجنجويد ينحل. بطبيعة تركيبتها البنيوية والفكرية استظلت تلك الحكومة بخيال سياسي، ممارسيًا وفكريًا، لا يقطع مع ما سبقها من بنية النظام السابق. لم تكن سلطة تفكيك وهدم بقدر ما كانت سلطة إحلالية لم تخرج عن بنية الخطابات السياسية والفكرية السابقة: مجرد تبديلِ شخوصٍ بشخوصٍ آخرين مع بقاء أجهزة الدولة الايدولوجية والثقافية وحواملها الاجتماعية لتكون مجرد امتداد واستطالة لما سبقها من بِنْياتٍ ومستوياتٍ خطابية. ذات الخيال السياسي في استحالة أن يكون غير ما هو. ما كان للحرب التي انفجرت في أبريل 2023 إلا أن تكون: حتم ضرورة تاريخية وامتدادًا لحروباتٍ أخرى اختنقت بها بنية الخطاب السياسي لدولة ما بعد الاستقلال، الدولة الكولونيالية، فانفجرت. الحرب نفسها، كحتمِ ضرورة، لم تكن سوى عطالة الخيال السياسي لحكومة الانتقال العاجز بنيويًا أن يرتقي ويرتدي عباءة خيال سياسي مغاير لعجز ذات البنية عن اختلافها عن ما سبقها من بِنْياتٍ خطابيةٍ، مبنىً ومعنى. ارتفقت قوى الحرية والتغيير “قحت”، كقوى سياسية مناهضة للحرب بذات عباءة خيالها السياسي والفكري الذي رافقها في كل ارتحالاتها البنائية وتعدُّد مسمياتها حتى انكسار صارية قارب أوديستها إلى شطرين: “صمود” و”تأسيس” من غير إبدالٍ وتغييرٍ في المبنى وعباءة الخيال. ذات العباءة، ذات الخيال، وإنْ باِسْمين لا يتغايران سوى في أبجدية الاسم!!. كلاهما يريان إلى حرب أبريل 2023 كحربٍ بين قطبٍ جنجويدي وآخر فلولي: ذات مقاربة وقراءة خطاب حرب أبريل كبنية منشطرة إلى قسمين لا بنية واحدة تتصارع مستوياتها للسيطرة على السلطة والثروة التي أفضت إلى حربِ مستوياتِ البِنْيةِ فيما بينها. إنها الطبيعة البنيوية لرأسَيْ الإله “جانيوس” والذي بدون تلازمهما، تصيب الإله لعنة العطالة والانمحاق الربوبي. كلٌ يستلزم الآخر، به يكون وبغيره يَفنى وينعدم (انظر مقال: في ماذا تؤسِّس “تأسيس”؟؟: في تأبيد ربوبية الإله “جانيوس” برأسَيْهِ الجنجويدي والفلولي ومقال آخر: تصمت “صمود” لتتكلم “تأسيس” فيكتمل القول: في الاقتصاد السياسي للصمت والكلام
انشطار برتقالة قحت إلى (صمود) و(تأسيس) لم يُفقد البرتقالة طعمها ورائحتها ولا حتى استراتيجيتها حول كيفية وطرائق مناهضة الحرب. فكان ارتفاق كليهما بالخارج الإقليمي والدولي بديلاً للداخل الوطني ومكوناته السياسية والفكرية لصعوبة فك اشتباك خيالهما السياسي كامتداد لحكومة الانتقال والتي، بدورها، استطالةٌ لما سبقها من بنية الخطاب السياسي وعقلها وروافعها الطبقية والسياسية. بل إلحاق الثاني، الداخلي، بالخارج، الإقليمي والدولي وما تلي ذلك من ارتحالات في جغرافية القارات والعواصم والمدن وما اصطحب ذلك من اتفاقات ونصوص، مؤتمرات وورش واجتماعات. ذات الأوديسة ومركبها المرتحل في ذات الماء، ماء الخطاب الذي يرى إلى حرب أبريل 2023 كحرب بين رأسَيْ الإله “جانيوس”، فلول وجنجويد. تتبدل سارية المركب ومَن يقل مِن شخوص، تتغاير ربطات العنق ورائحة العطر، والمركب يمخر فوق ذات الماء وينفخ صارياته ذات الهواء والبوصلة ويُحلِّق بجناحي ذات الخيال، انخفاضًا وعلوا.
المشهد الثالث
يشكله الأستاذ مهدي داؤود الخليفة حول حرب الضعفاء والسماسرة الذين يغض مضاجعهم الحديث عن الدولة المدنية ودولة المؤسسات والقانون والمساءلة والمحاسبة فيقول ان الحرب لم تعد مجرد صراع بين جيوش، بل تحوّلت إلى سوق مفتوح، تُدار فيه الصفقات بعقلية الربح والخسارة، وتُوزّع فيه العمولات كما تُوزّع الغنائم.
الفارق بين القيمة الحقيقية للسلاح والقيمة المُعلنة، كما ورد في التحقيقات، ليس مجرد رقم مالي، بل هو تعبير عن منطق كامل: منطق يرى في الحرب فرصة استثمار، وفي الدم السوداني مورداً اقتصادياً. وهنا، يفقد السياسي صفته كممثل للمجتمع، ويتحوّل إلى وسيط بين المال والسلاح.
قد يكون من السهل اختزال المسألة في “خيانة أفراد”، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. نحن أمام انهيار بنيوي في العلاقة بين السياسة والأخلاق في السودان. فحين تتداخل السلطة العسكرية مع الشبكات المالية غير المشروعة، وتجد دعماً أو تنسيقاً من شخصيات مدنية، فإننا لا نكون أمام انحراف، بل أمام نموذج حكم قائم على اقتصاد الحرب. هذا النموذج لا يحتاج إلى شرعية ديمقراطية، بل إلى استمرار الفوضى. لذلك، يصبح تهريب السلاح ليس استثناءً، بل ضرورة لاستدامة الصراع.
قصص عديدة في هذا السياق تحمل دلالات خاصة، لأنها تمثل انهيار المسافة بين “الثوري” و”التاجر”. وتطرح سؤالا حقيقيا وهو هل فشلت الثورة في حماية رموزها من السقوط؟ أم أن بعض هذه الرموز لم تكن محصّنة أخلاقياً منذ البداية؟
ما يحدث اليوم في السودان ليس فقط صراعاً على السلطة، بل اقتصاد حرب متكامل فيه السلاح يُشترى ويُباع عبر شبكات دولية والأموال تُغسل عبر شركات وواجهات تجارية وللإسف بعض السياسيين ضالعين بشكل او بآخر وفي هذا السياق، تصبح السياسة مجرد واجهة، هلامية بينما تُدار الحقيقة في غرف مغلقة، حيث تُتخذ القرارات بناءً على حسابات الربح لا على اساس المصلحة الوطنية التي تحوّلت إلى سوق مفتوح، تُدار فيه الصفقات بعقلية الربح والخسارة، وتُوزّع فيه العمولات كما تُوزّع الغنائم.
الفارق بين القيمة الحقيقية للسلاح والقيمة المُعلنة، كما ورد في التحقيقات، ليس مجرد رقم مالي، بل هو تعبير عن منطق كامل: منطق يرى في الحرب فرصة استثمار، وفي الدم السوداني مورداً اقتصادياً. وهنا، يفقد السياسي صفته كممثل للمجتمع، ويتحوّل إلى وسيط بين المال والسلاح.
قد يكون من السهل اختزال المسألة في “خيانة أفراد”، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. نحن أمام انهيار بنيوي في العلاقة بين السياسة والأخلاق في السودان. فحين تتداخل السلطة العسكرية مع الشبكات المالية غير المشروعة، وتجد دعماً أو تنسيقاً من شخصيات مدنية، فإننا لا نكون أمام انحراف، بل أمام نموذج حكم قائم على اقتصاد الحرب.
هذا النموذج لا يحتاج إلى شرعية ديمقراطية، بل إلى استمرار الفوضى. لذلك، يصبح تهريب السلاح ليس استثناءً، بل ضرورة لاستدامة الصراع.
قصص عديدة في هذا السياق تحمل دلالات خاصة، لأنها تمثل انهيار المسافة بين “الثوري” و”التاجر”. وتطرح سؤالا حقيقيا وهو هل فشلت الثورة في حماية رموزها من السقوط؟ أم أن بعض هذه الرموز لم تكن محصّنة أخلاقياً منذ البداية؟ ما يحدث اليوم في السودان ليس فقط صراعاً على السلطة، بل اقتصاد حرب متكامل فيه
السلاح يُشترى ويُباع عبر شبكات دولية والأموال تُغسل عبر شركات وواجهات تجارية وللإسف السياسيون ضالعون بشكل او بآخر وفي هذا السياق، تصبح السياسة مجرد واجهة، هلامية بينما تُدار الحقيقة في غرف مغلقة، حيث تُتخذ القرارات بناءً على حسابات الربح لا على اساس المصلحة الوطنية.