
مستقبل القوى الديمقراطية والانتقال المدني في ظل عسكرة الدولة وفيتو الحركات والمليشيات المسلحة
سامفو التحليلية
حسن الحسن
شكل انقلاب 25 اكتوبر 2021 مؤشرا عمليا لإطفاء اي بارقة أمل بانتقال ديمقراطي سلس بعد ثلاثةعقود من حكم نظام الانقاذ الذي سيطرت عليه جماعة الاسلاميين حتى سقوطه بثورة شعبية في ابريل 2019 والتي اقصت شكليا رموز النظام السابق لكنها أبقت عاجزةعلى هيمنتهم على مؤسسات الدولة ومواردها تحت غطاء منظومة من القوانين حيكت مسبقا لحماية نفوذهم .
وجاء انقلاب 25 اكتوبر بقيادة قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان بمشاركة اساسية من نائبه محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع لقطع الطريق على التحول المدني وعلى شرط تسليم قيادة الدولة التي يمثلها مجلس السيادة للمدنيين وفق ماتم الاتفاق عليه في الوثيقة الدستورية التي حكمت الشراكة بين المدنيين والعسكريين والتي جاءت بعد مخاض عسير بذل فيه الوسطاء جهدا اساسيا وفق الظروف التي حكمت تلك الفترة التاريخية من الحراك السياسي في اعقاب ثورة حملت بدورها العديد من الشعارات التي تدعو لمدنية الدولة و حل المليشيات وعودة الجيش إلى ثكناته وهو الأمر الذي أدى عمليا للانقلاب عليها ووئدها تماما واعتقال رموزها.
ويتفق معظم المحللين على أن انقلاب الخامس والعشرين من اكتوبر لم يكن معزولا عن انصار النظام الذي اطاحته الثورة بل لعب قادة نظام الانقاذ من الاسلاميين وحلفائهم دورا اساسيا في مساندة وتحريض الجيش والدعم السريع على الانقضاض على الحكومة المدنية الانتقالية وانهاء دورها ووئد شعارات الثورة وقد شهدت فترة ماقبل الانقلاب نشاطا أساسيا وعلنيا موثقا تحت غطاء ورعاية وتمويل الجيش والدعم السريع تمهيدا للاستيلاء على السلطة ووضع قادة الثورة واعضاء الحكومة الانتقالية ورئيس وزرائها قيد الاعتقال .
وفي اول قراراته بعد بيان انقلابه اعاد رئيس الانقلاب معظم مسؤولي وقيادات النظام السابق من الإداريين وكبار الموظفين الذين أعفتهم حكومة الانتقال إلى مواقعهم في كافة مواقع الخدمة المدنية والعسكرية وقام بالعاء كافة القرارات التي اتخذتها لجنة اعادة التمكين والتي استعادت أموال ومؤسسات وعقارات وموارد كان يستغلها انصار النظام السابق لمصالحهم الذاتية والحزبية كما اعاد عددا من عناصر وقادة الأجهزة الأمنية الذين سبق ان اتهموا بارتكاب اعمال قمعية وتجاوزات ضد المواطنين فعادت من جديد عمليات القمع والملاحقات وتصفية المتظاهرين الرافضين للإنقلاب في الشوارع وتعتبر جريمة فض الاعتصام التي سبقت والتي قتل فيها مئات الشباب من أكبر الجرائم التي شهدتها تلك الحقبة وما اعقبها من تصفيات لعشرات الشباب بدم بارد في الشوارع والطرقات .
وتؤكد معظم المصادر انه ومع استمرار هيمنة الجيش والدعم السريع على مقاليد السلطة والثروة في البلاد تشكل تحالف انقلابي مناهض لاي محاولات لاستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي عبر المبادرات والوساطات الوطنية والاقليمية والدولية وتشكل ذلك التحالف غير المعلن من مناهضي التحول الديمقراطي ضد قوى الثورة والتغيير
وضم ذلك التحالف غير المعلن
القوات المسلحة
قوات الدعم السريع
الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا
قوى ماسمي بالتيار الاسلامي العريض والذي يضم عناصر نظام الانقاذ ومجموعات الاسلاميين وبعض العناصر الاهلية القبلية والصوفية المتحالفة مع النظام السابق عبر مسيرته وطبقة اصحاب المصالح التي تضررت مصالحها بسبب الاطاحة بالنظام السابق.
ومع تعارض المصالح وتزايد الطموحات في الانفراد بالسلطة والثروة بين اكبر شريكين في الانقلاب على الانتقال المدني الديمقراطي وهما قائد الجيش وقائد الدعم السريع اندلعت الحرب بين الجيش والدعم السريع والتي يتهم الاسلاميين بشكل واضح في اشعالها وتغذيتها بين الطرفين لاستعادة سلطتهم بشكل مباشر من خلال تأثيرهم الكبير على قيادة الجيش والتي تنفي بدورها ذلك التاثير .
أدت الحرب التي انهت عامها الثالث إلى تدمير البنية التحتية للبلاد وتشريد المواطنين ونهب ممتلكاتهم وتحويلهم إلى لاجئين في اول سابقة لحرب المدن التي دفع ثمنها المدنيون قتلا وتشريدا وهي ذات الحرب التي وصفها قائد الجيش بعد أن أفلت زمامها بالحرب العبثية دون قدرة على انهائها أو السيطرة عليها .
وإزاء ابشع عمليات القتل والمجازر التي شهدتها الحرب تدخل المجتمع الدولي بكل ثقله مع تزايد المبادرات التي لم تجد اذنا صاغية مما أدى إلى إدانات متتالية لطرفي الحرب وبشكل أكبر إلى الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وفي نفس الوقت ادانات واضحة للاسلاميين الذين يعوقون اي محاولة لوقف اطلاق النار وانهاء الحرب سيما بعد مقترحات المجموعة الرباعية التي دعت إلى اقصائهم من العملية السياسية في الفترة الانتقالية مما أدى مؤخرا إلى تصنيفهم من قبل وزارة الخارجية الأميركية كحركة ارهابية .
مستقبل الانتقال المدني
ويرى بعض المراقبين أن اندلاع الحرب الأميركية الإسرائلية على ايران أدى إلى تعطيل وتيرة التدافع الاقليمي والدولي الساعية إلى انفاذ خطط وقف الحرب والدفع في اتجاه التحول المدني عبر تشكيل حكومة مدنية عبر مقترحات الرباعية رغم اللغط الدائر حولها تقود في نهاية المطاف إلى انتخابات مستقلة إلا أن بعض المراقبين يرون أن أميركا ستكون الأكبر حرصا بعد وقف الحرب على ايران عبر ابرام اتفاق أصبح ممكنا في ظل التصريحات الحالية؛ ربما ستكون حريصة على وقف الحرب في السودان لتحقيق انجاز معنوي بعد انغماسها في حرب يرى قطاع واسع من الأميركيين بأنها غير مبررة.
غير أن ذلك سيواجه بتحديات كبيرة مالم يكون المجتمع الدولي جادا وحازما في وقف الحرب في السودان واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي وأهم هذه التحديات التي تواجه الانتقال تتمثل في الآتي :
طموحات جنرالات الجيش في الحكم والهيمنة على موارد الدولة إمتدادا لسردية الجيش والسلطة في السودان.
طموحات ورغبة قادة الحركات المسلحة والمليشيات المساندة للجيش الاستمرار في الاحتفاظ بفيتو التأثير على الوضع الحالي خارج نطاق المساءلة القانونية ودولة المؤسسات .
رفض الحركات المسلحة والمليشيات الاندماج في الجيش والخضوع لقيادته المركزية وفق قانون القوات المسلحة السودانية الأمر الذي يجردهم من سيطرتهم على قواتهم .
تحدي عناصر الاسلاميين المتطرفين المدعومين بأموال وإمكانات الدولة المنهوبة ومقاومتهم لأي تغيير سياسي ينهي سلطتهم وتأثيرهم المباشر على توجهات السلطة والأجهزة العسكرية والأمنية واقصائهم من العملية السياسية .
أما على صعيد القوى المدنية
تواجه الأحزاب السياسية وأكبرها حالة من الضعف والسيولة التنظيمية بسبب أزمات داخلية تنظيمية وانقسامات لطموحات بعض قادتها كما تواجه أزمة حقيقية لغياب الرؤية السياسية والاتفاق على خط سياسي مشترك يقود إلى انهاء الحرب وانهاء ازمات البلاد ويحدد مسارها المستقبلي .
تحول بعض الاحزاب والقوى المدنية إلى كومبارس سياسي لطرفي الحرب لتحقيق طموحات ذاتية تحت ستار شعارات وبرامج نظرية مبهمة .
العجز والتمترس حول مواقف تقليدية عحزت عن تجاوزها لغياب المبادرات الجادة لتشكيل تيار وطني وانتاج ميثاق وطني ورؤية شاملة عابرة للاحزاب والجماعات من اجل وقف الحرب واعادة بناء البلاد على اساس وطني جامع في هذه المرحلة من تاريخ البلاد .
ضبابية مواقفها من دور القوات المسلحة التي ينظر إليها البعض كاكبر حزب سياسي مسلح قهري بينما ينظر إليها آخرون كحليف للاستنصار به عبر المشاركة في الحكم والتقاضي عن دورها الأساسي وفق الدستور .
ضعف التيارات والقوى المدنية والسياسية الوطنية التي تملك رؤية وطنية شاملة وضعف تأثيرها على المستوى الشعبي والقاعدي في ظل غيمة سوداء من عدم الوعي والأمية السياسية لدى قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع يمكن الالتفاف عليها عبر التضليل الاعلامي الممول وتغييب وعيها السياسي .
ويعول معظم المتابعين للشان السوداني وقطاع واسع من السودانيين إلى مايمكن أن ينتجه الشارع ويفرضه من معادلات جديدة لاستعادة الدولة المدنية وظهور قوى جديدة من مختلف المكونات والتيارات والتفافها حول مشروع وطني متكامل لاعادة بناء البلاد على دولة تقوم على المؤسسات واحترام دورها دون خلط بين ماهو دور مدني ودور عسكري يحكمها الدستور والقانون لامجال ولامكان فيها لحركات اومليشيات اومجموعات مسلحة خارج نطاق سلطة الدولة واختصاص مؤسساتها .
فأي مستقبل ينتظر السودان بين انتقال مدني ديمقراطي يقود البلاد إلى آفاق التقدم وبين جاهلية يحكمها التطرف والطموحات غير المشروعة والحركات والمليشيات المسلحة؟
غيمة سوداء من عدم الوعي والأمية السياسية لدى قطاعات وشرائح واسعة من المجتمع يمكن الالتفاف عليها عبر التضليل الاعلامي الممول وتغييب وعيها السياسي .
ويعول معظم المتابعين للشان السوداني وقطاع واسع من السودانيين إلى مايمكن أن ينتجه الشارع ويفرضه من معادلات جديدة لاستعادة الدولة المدنية وظهور قوى جديدة من مختلف المكونات والتيارات والتفافها حول مشروع وطني متكامل لاعادة بناء البلاد على دولة تقوم على المؤسسات واحترام دورها دون خلط بين ماهو دور مدني ودور عسكري يحكمها الدستور والقانون لامجال ولامكان فيها لحركات اومليشيات اومجموعات مسلحة خارج نطاق سلطة الدولة واختصاص مؤسساتها .
فأي مستقبل ينتظر السودان بين انتقال مدني ديمقراطي يقود البلاد إلى آفاق التقدم وبين جاهلية يحكمها التطرف والطموحات غير المشروعة والحركات والمليشيات المسلحة؟