السودان ومحرقة الحرب

تقرير تحليلي

انقضت ثلاث أعوام على الحرب المدمرة في السودان والتي دفع المدنيين فاتورتها دماءا وتشريدا وتمزقا اجتماعيا بينما تصر الأطراف المتحاربة على مفاقمة الأوضاع على كافة الأصعدة بعد فشل اي من الطرفين المتقاتلين في حسم الحرب لصالحة مع تزايد الدمار تفاقم الأزمة الاقتصادية واهدار الموارد تحت ظل قوانين الحرب. ومع دخول الحرب عامها الرابع دون استجابة لوقف إطلاق النار واستعادة المسار المدني الديمقراطي يستمر تفاقم الوضع الإنساني الماساوي رغم المناشدات الدولية .
تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، إذ بات 70 بالمئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، حسبما أفاد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لوكا ريندا وكالة فرانس برس.

‎وتشارف الحرب في السودان على دخول عامها الرابع، مخلفة عشرات الآلاف من القتلى وأكثر من 11 مليون نازح في أكبر أزمة إنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة.
‎واندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بين الجيش السودانيبقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ويتعذر تحديد حصيلة دقيقة لضحاياها بسبب انعدام المعلومات وانقطاع الاتصالات وصعوبة التنقل داخل السودان الذي دمرت الحرب الجزء الأكبر من بناه التحتية.
‎ورغم استمرار القتال في ولايتي كردفان والنيل الأزرق بجنوب البلاد، تشهد العاصمة الخرطوم بعض الهدوء منذ سيطر الجيش عليها العام الماضي، وبدأت أعمال إعادة الإعمار واستؤنف العمل في الأسواق وعادت الحياة إلى مناطق سكن الطبقة الوسطى التي أضحى بعضها مكتظا بعد أن كانت مهجورة أثناء المعارك.
‎وبحسب الأمم المتحدة، عاد نحو 1.2 مليون نازح إلى الخرطوم منذ استعاد الجيش السيطرة عليها.
‎وقال ريندا لفرانس برس: “بالنظر إلى الوضع قبل الحرب.. نجد أن معدلات الفقر قد تضاعفت فعليا. قبل الحرب، كان يعيش نحو 38 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، أما الآن فنُقدّر أن النسبة بلغت نحو 70 بالمئة”.
‎وأضاف أن واحدا من كل 4 سودانيين يعيش في فقر مدقع بأقل من دولارين في اليوم، فيما ترتفع المعدلات إلى نحو 75 بالمئة في مناطق تركُّز النزاع مثل إقليمي دارفور وكردفان.
‎وازدادت حدة القتال في مناطق ولاية كردفان في الجنوب الغربي وولاية النيل الأزرق في الجنوب الشرقي في الآونة الأخيرة، وتعتمد بشكل كبير على هجمات الطائرات المسيرة التي عطلت الحياة اليومية.
‎وأكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر أن “نحو 700 مدني قُتلوا في قصف بطائرات مسيّرة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الجارية”.
‎وأضاف: “نزح الملايين من ديارهم في أنحاء السودان وخارج حدوده، وأُفرغت مجتمعات بكاملها من سكانها واقتُلعت عائلات من جذورها مرارا، فيما يزداد خطر تفاقم انعدام الاستقرار الإقليمي”.
‎كلفة باهظة
‎وأفاد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي صدر، الثلاثاء، بتراجع متوسط الدخل في السودان إلى مستوى لم يسجل منذ عام 1992 “بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي”.
‎وقال ريندا في التقرير: “بعد 3 أعوام على هذا النزاع، نحن لا نواجه أزمة فحسب، بل نشهد تآكلا ممنهجا لمستقبل بلد بكامله”.
‎وأضاف: “هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل تعكس أسرا تمزّقت وأطفالا خارج مقاعد الدراسة وسبل عيش فُقدت وجيلا تتضاءل فرصه يوما بعد يوم”.
على صعيد آخر أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الثلاثاء، أن 11 ألف شخص على الأقل فقدوا في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، لافتة إلى “المعاناة النفسية العميقة والمستمرة” التي لحقت بالعائلات.
وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر: “لا تزال آلاف العائلات تنتظر أخبارا عن أحبائها الذين انفصلت عنهم أثناء الفرار من القتال”.
وأضافت اللجنة في بيان تلقت وكالة فرانس برس في جنيف نسخة منه: “تجاوز عدد ملفات الأشخاص المفقودين 11 ألف حالة، بزيادة تفوق 40 بالمئة خلال العام الماضي وحده”.وقال نائب المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر جيمس رينولدز للصحفيين “هذه الأرقام، التي لا تمثل على الأرجح سوى جزء ضئيل من الأعداد الحقيقية، تظهر التكلفة البشرية للنزاعات المطولة كهذا النزاع”، مشيرا إلى أن تغير خطوط الجبهة أدى إلى نزوح أكثر من 11 مليون شخص، بعضهم مرات عديدة. وأضافت اللجنة أن من بين هؤلاء، فر 4 ملايين شخص من البلاد.