
من حكم الأقلية إلى هندسة الحرب الأهلية: سوريا والسودان في مرآة الاقتصاد السياسي الريعى والانقسام المجتمعي للربيع العربي
د إبراهيم البدوي
رغم اختلاف السياقات التاريخية والبُنى الاجتماعية، يشترك نظام البعث العلوى البائد فى سوريا ونظام الجبهة الإسلاموية البائد في السودان في خصائص بنيوية عميقة تفسّر لماذا تحوّلت الانتفاضات الشعبية في البلدين إلى حربين أهليتين تُعدّان من الأكثر الحروب دموية ودماراً في التاريخ العربي الحديث، بينما عجز نظاما حسني مبارك وزين العابدين بن علي عن سلوك المسار ذاته. فالعامل الحاسم لا يكمن في “الربيع العربي” فى حد ذاته، بل في تفاعلٍ مركّب بين حكم الأقلية، والإقصاء السياسي، وتوفر موارد ريعية، ووجود انقسامات مجتمعية هويّاتية وأيديولوجية قابلة للتسييس والعسكرة.
حكم الأقلية والإقصاء السياسي: كلفة التحول الديمقراطي
يمثّل نظاما البعث السوري والإنقاذ السوداني نموذجاً كلاسيكياً للسلطوية الإقصائية القائمة على حكم أقلية مذهبية أو أيديولوجية. ففي سوريا، تشكّل عبر عقود تحالف أمني-عسكر… للقوى الديمقراطية
عند تقاطع حكم الأقلية، والإقصاء السياسي الواسع، والانقسام المجتمعي القابل للعسكرة، وتوافر الريع الكافي لتمويل العنف، تصبح الحرب الأهلية خياراً “عقلانياً” من منظور النخب الإقصائية الحاكمة، وإن كان كارثياً على المجتمع والدولة. فالحرب تُعيد تشكيل طبيعة الصراع، وتفكك التحالفات الثورية، وتُبرِّر عسكرة السياسة، وتُعيد إنتاج النظام بوصفه طرفاً لا غنى عنه في مواجهة الفوضى. وفي هذا السياق، أدّت حرب السودان إلى زرع الشقاق وتعميق الانقسامات بين مختلف مكوّنات الشعب السوداني، وفي مجاله السكاني والجغرافي على حدٍ السواء.
تُظهر المقارنة بين سوريا والسودان من جهة، ومصر وتونس من جهة أخرى، أن القدرة على هندسة الحرب ليست مسألة إرادة سياسية فحسب، بل نتاج بنية سلطوية-مجتمعية محددة. فالأنظمة التي حكمت عبر الإقصاء، ونجحت في تسييس الهويات والانقسامات، وتمتعت بموارد كافية لتمويل العنف، استطاعت تحويل الانتفاضات إلى حروب أهلية. أما حيث غابت هذه الشروط، فقد تعثّر التحول الديمقراطي، لكنه لم ينزلق إلى الدمار الشامل.
ومن ثم، فإن أي مشروع جاد لإنهاء الحرب أو منع تكرارها فى بلاد مثل السودان لا يمكن أن يقتصر على ترتيبات سياسية سطحية، بل يتطلب تحولاً بنيوياً واعياً ينقل البلاد من منطق “هندسة الحرب” إلى مشروع متكامل لـ”هندسة السلام”، يستهدف تفكيك بنية الإقصاء، وتجفيف الريع السياسي، وإعادة بناء المجال الوطني الجامع بوصفه شرطاً للسلام المستدام. وهذا يضع مسؤولية تاريخية مباشرة على عاتق القوى السودانية المدنية الديمقراطية، السياسية والاجتماعية. على هذه القوى التداعي العاجل نحو مؤتمر قومي جامع للسلام – أو مؤتمر دستوري أو وطني تأسيسي، أيّاً كانت تسميته – يخرج بتوافق عريض حول ميثاق وطني واضح المعالم، لا يكتفي بالشعارات، بل يتضمن هياكل وأدوات تنفيذية ملزمة. إذا تم ذلك يمكن الضغط الفعال لتفعيل مبادرة الرباعية ووضعها تحت سقف مشروع وطنى يحظى بتأييد الشعب السودانى واحترام المجتمع الدولى والأقليمى.
ومن ثمّ، فإن أي مشروع جاد لإنهاء الحرب أو منع تكرارها في بلدٍ مثل السودان لا يمكن أن يقتصر على ترتيبات سياسية سطحية، بل يتطلب تحوّلاً بنيوياً واعياً ينقل البلاد من منطق “هندسة الحرب” إلى مشروع متكامل لـ”هندسة السلام”، يستهدف تفكيك بنية الإقصاء، وتجفيف الريع السياسي، وإعادة بناء المجال الوطني الجامع بوصفه شرطاً للسلام المستدام.