السودان من أفق التجدد الديمقراطي إلى خطر الانهيار – مقاربة في الاسباب وشروط الاستعادة

د. إبراهيم البدوي

لم يصل السودان إلى كارثته الراهنة مصادفةً. إن انحدار البلاد من آمال ثورة ديسمبر 2018 العِراض إلى دمار الحرب العسكرية الحالية يعود إلى فشلين مترابطين. أولهما انهيار الشراكة المدنية-العسكرية التي أعقبت الثورة، مدفوعاً إلى حدٍّ كبير بقدرة “الحركة الإسلاموية” على ابتزاز القيادة العسكرية، وكذلك استغلال نزعتها التسلطية ورغبتها في الحفاظ على منظومة الفساد المؤسسي الريعي، بما دفعها إلى مقاومة مساعي تفكيك النظام السياسي-الاقتصادي الذي شيّده نظام الإنقاذ المخلوع. أمّا الثاني فتمثّل في غياب الثقة بين مكوّني المؤسسة العسكرية نفسها – القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع – وتباين أهدافهما، الأمر الذي انتهى إلى صراع دموي على السلطة بينهما.

كانت ومازالت ثورة ديسمبر المجيدة أكبر انتفاضة جماهيرية في تاريخ السودان الحديث، إذ وضعت حداً لثلاثة عقود من حكم كليبتوقراطي اتسم بأقصى درجات الاستبداد والفساد المؤسسي والارتهان للإرادات الأجنبية. غير أن البنى العميقة للاقتصاد السياسي المُعسْكر – ولا سيما شبكات السيطرة على الذهب، والشركات المملوكة للدولة، والتجارة الاستراتيجية – ظلت قائمة (البدوي والحلو، 2023؛ البدوي وآخرون، 2023). وهكذا نشأ تناقض واضح: حكومة مدنية بلا سيادة كاملة، واقتصاد لا تزال تهيمن عليه جهات مسلحة رأت في الإصلاح تهديداً مباشراً لمصادر ريعها.

سعت الحكومة المدنية إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتوحيد سعر الصرف، وترشيد دعم الوقود، والحصول على إعفاء من الديون ضمن مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، وهذا المسار كان سيؤدي إلى إعفاء نحو 50 مليار دولاراً من أصل أكثر من 60 مليار دولار من الدين الخارجي. غير أن هذا المسار بحسب الاتفاق الذي تم توقيعه بالأحرف الأولى مع صندوق النقد الدولي في يونيو 2020 يشترط تفكيك منظومة الاقتصاد الزبائنية المتمثلة في المصالح والشركات الأمنية-العسكرية ونقل أموالها وأصولها إلى وزارة المالية، صاحبة الولاية على المال والأصول العامة، الأمر الذي كان سيؤدي أيضاً إلى تحقيق أهم أهداف ثورة ديسمبر المجيدة والمتمثلة في إنجاز تكليف “لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة”. إلا أن ذلك كان سيشكل أكبر ضربة لمشروع “الحركة الإسلاموية” وكتائبها وخلاياها في داخل القوات المسلحة وتوابعها في معسكر “الشمولية الوظيفية”. عليه، كانت النتيجة المتوقعة: انقلاب عسكري في أكتوبر 2021 أنهى الانتقال الديمقراطي ومهّد للحرب الراهنة.

الجذور الاقتصادية لفشل الدولة: النفط والذهب والسوق السياسي:

لم يُصب السودان بلعنة الموارد فحسب، بل بلعنة الحوكمة أيضاً. فقد موّلت عائدات النفط بقاء النظام لا التنمية الوطنية.

* خلال طفرة النفط (1999-2011)، لم تُستثمر العائدات في بناء القدرات الإنتاجية، بل استُخدمت لشراء الولاءات السياسية. وأصبح مفهوم “السوق السياسي” الذي صاغه البروفيسور أليكس دي وال (2019) – نظام حكم يقوم على المال والإكراه والمحسوبية التبادلية – هو منطق الدولة الفعلي.
* أدّى انفصال جنوب السودان عام 2011 إلى فقدان ثلاثة أرباع عائدات النفط، ما شكّل حالة قصوى من “التوقف المفاجئ” (البدوي وفيوراتي، 2024)؛ إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50%، وقفز التضخم، وبرز اقتصاد ذهب مُعَسْكَّر تسيطر عليه شبكات مرتبطة بكل من القوات المسلحة والدعم السريع. انهارت القدرة التصديرية للسودان بعد 2011، وكان تصحيح الحساب الجاري أشدّ حتى من أزمات أمريكا اللاتينية في التسعينيات.
* حلّ الذهب محل النفط كمصدر للريع الذي يغذي “السوق السياسي” – لكنه بخلاف النفط كان مجزأً، خارج الموازنة، وعميق العسكرة. واستمرت الدولة ساحةً لتوزيع الريع بدلاً من أن تكون أداة للاستثمار العام.

حرب الجيشين وانهيار الجمهورية: السودان ليس في حرب فحسب، بل إن دولته تتآكل أمام أعيننا:

ليست هذه حرباً أهلية تقليدية، بل صراعاً عسكرياً فئوياً بين قوتين أنشأهما النظام نفسه: القوات المسلحة السودانية، الجيش الوطني الرسمي، وقوات الدعم السريع التي بدأت كمليشيا مضادة للانقلاب ثم تحولت إلى قوة موازية. وعندما اشتعلت الحرب، وُجّه السلاح في العاصمة – مركز القرار السياسي وقطب الثقل الاقتصادي للبلاد – ليس في الأطراف كما في الحروب السابقة، قبل أن يمتد إلى كبريات المدن الأخرى.

يشبه هذا النزاع، من حيث الحجم والكثافة التدميرية، حرباً بين دولتين. وتبعاته كارثية:
* 13 مليون نازح داخلياً،
* 3.4 مليون لاجئ،
* 16.5 مليون طفل خارج المدارس،
* 30.4 مليون شخص يُتوقع أن يحتاجوا إلى مساعدات إنسانية في 2025 (منظمة الصحة العالمية واليونيسف).

الحرب تدمر أسس الدولة: الوزارات، الأرشيفات، الجامعات، وبقايا الاقتصاد الرسمي.

إذا استمرت الحرب، فلن يكون السؤال هل سيتعافى السودان، بل هل سيبقى السودان ككيان موحد:

وباستخدام نموذج للنمو طويل الأجل (Long-term Growth Model: LTGM)، في ورقتهما المشار لها أعلاه، قدّر البدوي وفيوراتي (2024) كلفة الحرب اقتصادياً في سيناريوهين:

* في حال نمو سنوي بنسبة 4% في حالة سيناريو عدم نشوء الحرب، فإن نزاعاً يستمر 15 عاماً سيكلف السودان أكثر من 2.2 تريليون دولار من الناتج المفقود – أي 66 ضعف اقتصاد 2022.
* حتى في حالة حرب قصيرة لمدى خمس سنوات، ستفقد البلاد حوالى 271 مليار دولار من الناتج المحتمل، أي أكثر من ثمانية أضعاف الناتج قبل الحرب في العام 2022.

وسيكون التعافي بطيئاً للغاية:
* 19 عاماً للعودة لمسار عدم الحرب بعد نزاع قصير،
* 55 عاماً بعد نزاع طويل.

وحتى بالمقارنة مع سيناريو ركود (معدل نمو صفري) في حالة عدم الحرب، تبقى الخسائر جسيمة:
* 52 مليار دولار لخمس سنوات حرب،
* 189 مليار دولار لخمسة عشر عاماً.

ما الذي يتطلبه الخروج الحقيقي؟

يتطلب مسارٌ موثوق نحو السلام والتنمية في سياق ثلاث تحولات متزامنة:
1. تسوية سياسية قائمة على شرعية مدنية: ليس اتفاق تقاسم سلطة بين الجنرالات وقوى مدنية، بل تحالف مدني واسع مدعوم بضمانات إقليمية وأممية، قادر على تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة بناء الدولة في سياق برنامج اقتصادي نهضوي تنفذه حكومة وحدة وطنية تلتزم “بشرعية اقتصادية” واضحة المعالم وبأهداف قابلة للقياس لمخاطبة جذور أزمة المشروع الوطني السوداني المتمثلة في النزاعات والتخلف وعدم الاستقرار السياسي.
2. عقد اجتماعي اقتصادي جديد: الشرعية يجب أن تُبنى على تقديم المصالح العامة للكل (المياه، الكهرباء، التعليم، الصحة)؛ الاستثمار في البنية التحتية للنمو الإنتاجي؛ ومأسسة الحماية الاجتماعية الشاملة لمكافحة الفقر والتفاوت الرأسي والأفقي (الجهوي والهوياتي) – لا على الزبائنية والفساد المؤسسي (شبكات المحسوبية أو ريع الذهب المُعسْكر) أو الشعبوية الاقتصادية الدونكيشوتية عديمة الفائدة (دعم الوقود ومحاولات فرض أسعار صرف غير واقعية… إلخ).
3. نموذج نمو قائم على القطاع الزراعي: الميزة النسبية الحقيقية للاقتصاد السوداني؛ عبر بناء اقتصاد متنوع وحديث يرتكز على ممرات تنموية زراعية-صناعية، مدعوم بالبنية التحتية والعمالة المؤهلة والتكنولوجيا الحديثة، مع توظيف ريع الموارد بشفافية وكفاءة.

يمتلك السودان مقومات قوة زراعية هائلة قابلة لبناء اقتصاد حديث ومتنوع:
* 200 مليون فدان صالح للزراعة،
* وصول مباشر إلى البحر الأحمر،
* قوة عمل شابة،
* موقع استراتيجي،
* طلب عالمي متزايد على الأمن الغذائي.

في ظل هذا المشروع النهضوي السلمي، يتوقع البدوي وفيوراتي مرحلة “نمو نهضوي” تقودها استثمارات أجنبية مباشرة في القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية.

خاتمة: مفترق طرق تاريخي:

يقف السودان اليوم بين مسارين:
* مسار استمرار الحرب بما يقود إلى تفكك الدولة إلى كانتونات مسلحة واقتصاديات مجاعة.
* مسار وقف النزاع وبناء اتفاق مدني يعيد تأسيس الشرعية على التنمية والمؤسسات.

إن الحسم لن يتحقق في ميدان المعركة، بل في قدرة النخب المدنية على صياغة مشروع وطني جامع، مدعوم بضمانات إقليمية ودولية، يعيد تعريف الدولة بوصفها أداة لإنتاج القيمة العامة لا لتوزيع الريع المسلح.

عليه، يبقى السؤال المركزي: هل يستطيع السودان تحويل أزمته الراهنة إلى لحظة إعادة بناء على أسس جديدة، أم أن منطق “السوق السياسي” سيظل يختطف الدولة ويعيد إنتاج الحرب