السودان الغائب عن مصالحه… والغارق في ظلامه

د الطيب حاج مكي

في الوقت الذي كانت فيه الوفود الأفريقية تتجه إلى تنزانيا وأبوظبي حاملة أحلام شعوبها في التنمية والكهرباء والاستثمار، كان السودان غائباً عن المشهد. غائباً ليس لأنه يفتقر إلى الموارد أو الإمكانات، بل لأنه منشغل بحرب تلتهم حاضره وتسرق مستقبله يوماً بعد يوم. والمؤلم أن السودان ليس بلداً فقيراً في موارد الطاقة. فهذه الأرض التي تمتد تحت شمس ساطعة معظم أيام العام، وتجري في ربوعها الأنهار، كان يمكن أن تكون من أكبر منتجي الطاقة النظيفة في أفريقيا. لكن المأساة بينما تتحدث دول الجوار عن انشاء المفاعلات النووية والطاقة المتجددة والمدن الذكية، لا يزال ملايين السودانيين يبحثون عن أبسط حق من حقوق العصر: عيش كريم وكهرباء مستقرة تضيء المنازل وتشغل المستشفيات وتحفظ كرامة الإنسان. لا عجب أن اشارت التقديرات الدولية إلى أن نحو ثلث السودانيين (٣٦٪؜)كانوا خارج شبكة الكهرباء حتى قبل اندلاع الحرب، أما اليوم فقد أصبحت الصورة أكثر قتامة. فالطاقة ليست مجرد أسلاك ومحطات توليد؛ إنها أساس الاقتصاد والتعليم والصحة والإنتاج. وعندما تنقطع الكهرباء تتوقف المصانع، وتتعطل مشاريع الزراعة، وتضعف خدمات المياه، وتتأثر المدارس وتتوقف العمليات في المستشفيات، ويدفع المواطن البسيط الثمن من أمنه وصحته ومستقبل أبنائه. ومع ذلك يبدو
وكأن أطراف الحرب تتنافس في هدم ما تبقى من مؤسسات الطاقة. فقد أدى استهداف منشآت الكهرباء، وآخرها محطة الأبيض، إلى إدخال المدينة في ظلام دامس وتعطيل الخدمات الحيوية. وتناقل السودانيون بحزن روايات عن أطباء يحاولون إنقاذ جرحى ومصابين والمرضى على ضوء البطاريات أو الهواتف المحمولة. إنها مشاهد لم يكن أحد يتخيل أن يراها في وطن كان يحلم بالتنمية والنهضة قبل سنوات قليلة فقط.
وفي الجهة الأخرى من القارة، تمضي دول أفريقية بخطوات واثقة نحو المستقبل. فإثيوبيا توسع إنتاجها الكهربائي وتخطط لمشروعات استراتيجية لعقود قادمة بما فيها المفاعلات النووية، بينما يخسر السودان عاماً بعد عام من عمره التنموي. الفارق بين الدول لا تصنعه الموارد وحدها، بل تصنعه القدرة على اغتنام الفرص، وهي فرص أصبحت تمر أمام السودان بينما هو غارق في أزماته.
وهنا يبرز السؤال الذي يؤلم كل سوداني غيور على وطنه: كيف يمكن للسودان أن يستفيد من التمويلات والمنح الدولية المخصصة للطاقة بينما يغيب عن أهم المؤتمرات التي تناقش مستقبل القارة؟ وكيف يمكن اجتذاب المستثمرين بينما يعيش البلد حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتحيط العقوبات الدولية ببعض المسؤولين الذين يفترض أن يمثلوا السودان في المحافل الاقتصادية العالمية ومنهم وزير المالية نفسه؟
ويزداد هذا السؤال مرارة عندما تُفرض الضرائب والرسوم على ألواح الطاقة الشمسية ومعداتها، في بلد يحتاج إلى كل لوح شمسي يمكن أن ينير مدرسة أو مستشفى أو قرية نائية. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الدول لتشجيع استخدام الطاقة النظيفة وتقديم الحوافز لها، يبدو السودان وكأنه يضع العقبات أمام أحد أهم الحلول المتاحة للخروج من أزمته.
إن الخسارة اليوم ليست فقط في محطة كهرباء دُمرت أو مدينة غرقت في الظلام، بل في الفرص التي تضيع بصمت. فكل مؤتمر يغيب عنه السودان هو فرصة استثمار مفقودة، وكل منحة تذهب إلى دولة أخرى هي مشروع كان يمكن أن يغير حياة آلاف الأسر السودانية، وكل يوم تستمر فيه الحرب هو خطوة إضافية نحو اتساع الفجوة بين السودان والعالم.
ما يحزن حقاً أن السودان لا يخسر حاضره فقط، بل يخسر مستقبله أيضاً. يخسر مكانه الطبيعي بين الأمم، ويخسر فرص أبنائه في التنمية والعمل والعيش الكريم. وبينما تتطلع شعوب أخرى إلى مستقبل أكثر إشراقاً بفضل الطاقة والعلم والاستثمار، ما زال السودانيون ينتظرون نهاية حرب حرمتهم حتى من حق الحلم.
ويبقى السؤال الذي يدق وجدان كل سوداني: كم من الفرص يجب أن تضيع، وكم من السنوات يجب أن تُهدر، قبل أن ندرك أن الوطن لا يُبنى بالسلاح، وإنما يُبنى بالكهرباء التي تنير المدارس، والمياه التي تصل إلى القرى، والمستشفيات التي تنقذ الأرواح، والسلام الذي يفتح أبواب المستقبل؟