Business is booming.

 برنامج الاستعداد الطاقي قبل برنامج إعادة إعمار السودان وفق مفهوم: “الطاقة المتوازنة”

م. خيري عبدالرحمن – 24 أغسطس 2026

الفجوة التي لا تتناولها خطط إعادة الإعمار

تركز معظم مبادرات التجهيز لبرامج إعادة الإعمار للدول الخارجة من النزاعات على المرحلة التي تعقب تشكيل الحكومة الانتقالية وبداية استقرار الأوضاع السياسية. إلا أن التجارب الدولية تشير إلى وجود فجوة زمنية حرجة بين عملية وقف إطلاق النار وبدء تنفيذ برامج إعادة الإعمار، وهي فترة كثيراً ما تضيع دون استعداد مؤسسي أو فني، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة إعادة البناء وتأخر التعافي. كما أنها تفتح الباب للقوى التي لازالت قابضة على زمام الأمور لمواصلة عملها، أو ربما تجهيز نفسها من موقع تواصل سلطتها لتكون أكثر قوة من تلك التي تعد نفسها لإستلام المسئولية. وقد مر السودان بتجربة مماثلة عقب إنتصار ثورة ديسمبر المجيدة بسقوط حكومة الإنقاذ في 11 أبريل 2019 والى وقت إستلام حكومة الفترة الإنتقالية وبدء عملها في أكتوبر. 6 أشهر كاملة أتاحت الفرصة لمسئولي العهد البائد في إعداد الخطط والبرامج، بل البدء عمليا في إنفاذها لمواجهة التغيير الذي تعلم هي جيدا أنه سيمحو آثارها.

وعادة ما تمر الدول الخارجة من النزاعات بخمس مراحل: وقف إطلاق النار / التوافق السياسي المدني / تشكيل الحكومة الانتقالية / البدء في تنفيذ خطط إعادة الإعمار، وأخيرا إجراء الانتخابات الديمقراطية وتسليم الحكم للقوى المنتخبة.

وفي أغلب التجارب، تركز معظم البرامج على المرحلتين الثالثة والرابعة، بينما تهمل المرحلة الثانية، وتترك المرحلة الأولى تماما للتقديرات العسكرية المتخصصة. وهنا تحدث فجوة بدء الإصلاح، وهي مرحلة قد تمتد لعدة أشهر وربما لعام أو أكثر. من المؤكد أن الخطوات الفنية لوقف إطلاق النار هي متروكة للخبراء العسكريين، ولكنني أتحدث عن ما يمكن إنجازه مدنيا منذ بدايتها وأثنائها وبعدها الى أن يتم تكوين الحكومة المدنية. تدل التجارب المتعددة أن هذه الفترة تقودها قيادات الخدمة المدنية التي أصلا هي موجودة في ظل الحكم المقصود إنهائه، وبالتالي ستتواصل فكرة فرض إرادة تلك القيادات وخططتها على كل قطاعات الدولة.

لماذا يحتاج السودان إلى برنامج للاستعداد الطاقي؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن قطاع الطاقة يجب أن يكون أول قطاع يبدأ العمل الإصلاحي فور بدء عملية وقف إطلاق النار، وليس بعد اكتمالها، وذلك لأنه يمثل البنية الأساسية التي تعتمد عليها جميع القطاعات الأخرى، أولأً. ثم إنه الذي يضمن إعادة الهدوء لمناطق النزاعات في الأطراف وفق ما فصلنا من قبل بمفهوم ” الطاقة المتوازنة “.

ولذلك لابد من إعداد برنامج الاستعداد الطاقي الوطني لإعادة الإعمار باعتباره أول برنامج تنفيذي يبدأ من اليوم الأول لعملية وقف إطلاق النار ويستمر حتى تسلم الحكومة المدنية الانتقالية مسؤولياتها.

ولا يهدف البرنامج إلى تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار الشاملة، ولا يعد المواطنين بحل أزمة الطاقة في السودان لأن ذلك ما ستقوم به الحكومة المدنية الإنتقالية. وإنما يهدف إلى تهيئة قطاع الطاقة ليكون جاهزاً لقيادة تلك المرحلة، عبر حماية الأصول، وجمع وتصنيف المعلومات، وإعادة تشغيل الخدمات الحيوية، وتنفيذ مشروعات سريعة الأثر، وإعداد الدراسات، وتجهيز المشروعات القابلة للتمويل.

وتقترح الورقة أن يُدرج هذا البرنامج ضمن الاتفاق الأولي لعملية وقف إطلاق النار والإنتقال للحكم المدني، وأن يحظى بدعم وتمويل المجتمع الدولي باعتباره جزءاً من ترتيبات الانتقال من الحرب إلى السلام.

لماذا الطاقة أولاً؟

ليس لأن الكهرباء أهم من بقية القطاعات، وإنما لأنها تمثل القطاع الذي تعتمد عليه جميع القطاعات الأخرى في إدارة شئونها وتنفيذ برامجها. وقد أثبتت تجاربنا في السودان كيف كان العجز في الإمداد الكهربائي عقبة كبيرة لإعادة الإصلاح، مثلما كان فرصة وأداة خطيرة لإجهاض التغيير كله. فالطاقة تشغل المستشفيات ومحطات المياه وشبكات الاتصالات ومحطات الوقود والمدارس والصناعات ومشروعات الري ومواقع حفظ الغذاء. وبالتالي فإن أي تأخير في إعادة تشغيل الطاقة يؤخر تلقائياً إعادة تشغيل بقية القطاعات.

وقد أحدثت الحرب في السودان دماراً واسعاً في قطاع الكهرباء، وتضررت محطات التوليد وخطوط النقل والتوزيع في عدد من الولايات، كما تعطلت خدمات الكهرباء في مناطق واسعة أوصلت منظمة ال UNDP لتقدير حجم الخراب في قطاع الكهرباء ي 3 مليار دولار أمريكي! عوضاً عن تأثر محطات المياه، والمرافق الصحية والصناعية والزراعية.

وفي الوقت نفسه، نزح ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، وغادرت أعداد كبيرة من المهندسين والفنيين، بينما تقلصت قدرة الدولة على تمويل أعمال الصيانة والاستثمار بسبب إنخفاض الإيرادات.

بعض الدروس المستفادة من التجارب الإقليمية والدولية

  • رواندا: بدأ التخطيط لإعادة بناء قطاع الطاقة مباشرة بعد انتهاء الإبادة الجماعية، وربطت الحكومة بين توسيع الكهرباء وإعادة بناء الاقتصاد.
  • موزمبيق: تم بالفعل إعطاء الأولوية للطاقة باعتبارها محركاً للزراعة والاستثمار بعد الحرب الأهلية.
  • العراق: رغم استمرار التحديات الأمنية، استمرت عملية إعداد الخطط القطاعية للطاقة وتنفيذها تدريجياً بحسب تحسن الأوضاع.
  • لبنان: أثبتت التجربة أن انتهاء الحرب وحده لا يكفي، وأن غياب الطاقة يؤدي الى يطيل أزمة الإصلاح المؤسسي لعقود.

فالرؤية إذاً هي أن يصبح قطاع الطاقة من القطاعات المتقدمة لعملية إعادة إعمار السودان فور تشكيل الحكومة المدنية.

والرسالة هي تنفيذ برنامج وطني للاستعداد الطاقي يبدأ من اليوم الأول لعملية وقف إطلاق النار ويهيئ قطاع الطاقة لريادة مرحلة إعادة الإعمار.

والأهداف تبدأ بحماية كافة أصول قطاع الكهرباء بواقعها الذي وصلت إليه، وإن كان قد طاله التخريب. ثم إعادة تشغيل الخدمات الحيوية المتوقفة، ودعم الأمن الغذائي بالطاقة الشمسية وتنفيذ المشروعات السريعة الأثر لتوفير كهرباء لمواقع الأولويات المستهدفة، ثم إعداد الدراسات الفنية وتجهيز المشروعات القابلة للتمويل، والبدء في عملية إعادة الكفاءات الوطنية، وكل ما يؤدي الى إعداد مبدئي لمؤسسات الدولة لاستلام الحكم الإنتقالي للعمل.

محاور برنامج الإستعداد الطاقي

المحور الأول (3 شهور): حماية الأصول، ويشمل محطات التوليد، محطات التحويل، خطوط النقل، مراكز التحكم، محطات التوزيع، المخازن، قواعد البيانات.. إلخ. على أن يتم إشراك الفنيين مع الشرطة في آلية التنفيذ بقصد الحرص علي سلامة تلك الإصول.

المحور الثاني (6 شهور): إعادة تقديم كل الخدمات الأساسية على أن تكون الأولوية المستهدفة هي كل المرافق التي تدير عمليات المساعدات الإنسانية، المستشفيات، محطات المياه، المدارس، مراكز الاتصالات، المطارات، الموانئ.

 

المحور الثالث (12 شهر): الطاقة الشمسية للطوارئ التي تعد أحد أسرع أدوات الاستجابة وتشمل كل المرافق ذات الأولوية على أن تتم عملية عاجلة لتوريد وتوصيل سريع ومباشر لأنظمة شمسية متكاملة تناسب الوحدات الأصغر (حتى 500KW والصغيرة 0.5-1.0 MW والمتوسطة 1-3 MW لتوفير فوري للطاقة الكهربائية للأولويات المذكورة.

المحور الرابع (12 شهر): الإنتاج الزراعي بإعتباره من الأولويات ولذلك لابد من رفده بطلمبات الري الشمسية، والطاقة للتبريد الزراعي ومطاحن الحبوب والصناعات الغذائية الصغيرة.

وهنا أنا أعتبر بأن الطاقة اللازمة للإنتاج الزراعي تحوله مباشرة إلى إنتاج محلي يتفادى قضايا النقل الدولي ويصل سريعا للمحتاجين، بالإضافة الى أنه يوفر فرصاً فورية للعمل.

المحور الخامس (12 شهر): تنفيذ نماذج لوحدات التعافي الطاقي تتكون من:

  • محطة شمسية.
  • بطاريات.
  • محطة مياه.
  • مركز صحي.
  • مدرسة.
  • ورش إنتاج.
  • شبكة توزيع مصغرة بحسب حجم كل تكوين مجتمعي.

بحيث تصبح كل وحدة نواة لإعادة توطين السكان واستئناف النشاط الاقتصادي في المناطق التي ينتمي لها المواطنون، لعل ذلك يُشعر المتضررين من جراء الحرب ببعض الاهتمام والتعويض.

الإطار الزمني للبرنامج الإعدادي للطاقة

مثلما أشرت عند كل محور، فاذا إعتبرنا أن البداية هي بدء عملية وقف إطلاق النار، فالفترة الزمنية التي أقترحها هي عام كامل تتم خلاله كل الترتيبات اللازمة لإستلام القوى المدنية للحكم الإنتقالي الذي يسبق إجراء الانتخابات الديمقراطية، وقد يتم الاتفاق على فترة أطول من ذلك. وكررت كثيرا وصف وقف إطلاق النار بال ” عملية ” عمداً لأنني أؤمن بضرورة إجرائها بشكل إحترافي Professional Process تضمن سلامتها من كل الثغرات وتهيئ لتكوين الجيش السوداني الموحد والتي ستكتمل عن طريق الحكم الإنتقالي.

تمويل البرنامج الإعدادي للطاقة

ومع أنني ذكرت ضرورة أن يتم تضمين تمويل هذا البرنامج مع تكلفة عملية وقف إطلاق النار، إلا أنني أقترح أيضاً إنشاء صندوق مستقل بعنوان: صندوق الاستعداد الطاقي لإعادة إعمار السودان. ويتكون في الأساس من شركاء محليين بقيادة وزارة المالية ممثلة ببنك السودان بالإضافة الي بنوك أخرى والمؤسسات الوطنية المنتجة والقطاع الخاص. ويمكن الربط بين هذا الصندوق وشركاء التمويل الدولي وذلك لتوحيد القنوات المالية وتسهيل ضبط حركنها.

توصيات هذه الورقة

  • إدراج برنامج الاستعداد الطاقي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.
  • اعتباره برنامجاً مستقلاً عن برنامج إعادة الإعمار الشامل.
  • البدء في تنفيذه فور توقف العمليات العسكرية.
  • إعطاء الأولوية للطاقة الشمسية باعتبارها الأسرع والأقل كلفة في مرحلة التعافي المبكر.
  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية للأضرار في قطاع الطاقة.
  • إشراك الكفاءات السودانية في الداخل والخارج.
  • إعداد قائمة وطنية بالمشروعات الجاهزة للتمويل قبل تشكيل الحكومة الانتقالية.

أختم بالقول إن إعادة إعمار السودان لن تبدأ فعلياً عند تشكيل الحكومة الانتقالية، وإنما يبدأ تنفيذها منذ اللحظة التي يتوقف فيها إطلاق النار. وإذا ضاعت تلك الفترة دون استعداد، فسوف ترتفع تكلفة إعادة الإعمار وتتأخر عودة الخدمات والتنمية وتزداد مخاطر تكرار الفشل.

ومن هنا أقترح هذه الورقة أن يبدأ الخبراء الوطنيين من اليوم لإعداد برنامج الاستعداد الطاقي الوطني لإعادة الإعمار بوصفه أول برنامج وطني يبدأ تنفيذه مباشرة مع بدء عملية وقف إطلاق النار، على أن يكون البرنامج وأحداً من المكونات الأساسية التي ينبغي إدراجها ضمن أي اتفاق سلام، مع ضرورة إبرازه كمقترح سياسات موجه للوسطاء الدوليين والجهات المانحة ليكون برنامج الاستعداد الطاقي جزءً من ترتيبات وقف إطلاق النار وتمويل التعافي المبكر.

فالطاقة ليست مجرد قطاع خدمي، بل هي المنصة التي ستقف عليها عملية إستعادة الدولة السودانية المدنية، واستعادة الاقتصاد الوطني، وتهيئة الطريق أمام الحكومة المدنية القادمة للانتقال مباشرة إلى مرحلة إعادة الإعمار الشامل.