Business is booming.

دور الشعر والشعراء في الارتقاء باللغة والحفاظ على جمالها وقوتها.

 

من المحرر. …. للكلمة دورها في تغيير الواقع وما أحوجنا إلى دور الشعراء والأدباء في انتاج مفردات جديدة لمواجهة حالة الانحدار اللفظي التي أفرزتها الحرب في مجالنا الثقافي على صعيد المفردة في الفضاء الإلكتروني بلغة جديدة ومفردات تليق بمجتمعنا الذي انتج الشعراء والأدباء الذين جملوا ساحاتنا ومحيطنا الثقافي.نرحب بالشاعرة الشفيفة نوال حسن الشيخ في هذه النافذة . وحدها الموسيقى تُرتل أحزان المغيب.

نوال حسن الشيخ

يؤدي الشعر دورًا مهمًا في الارتقاء باللغة والحفاظ على جمالها وقوتها، فهو ليس مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار، وإنما هو فنٌّ يقوم على اختيار الألفاظ بعناية، وترتيبها بطريقة تمنحها جمالًا وإيقاعًا وتأثيرًا خاصًا. ولذلك كان الشعر عبر التاريخ من أهم الوسائل التي حفظت اللغة العربية، ونقلت مفرداتها وأساليبها من جيل إلى آخر.
وقد استطاع الشعراء، منذ العصور القديمة، أن يجعلوا من اللغة وسيلة للتعبير عن مختلف جوانب الحياة؛ فعبّروا عن الحب والحزن والفخر والحكمة والوطن والإنسان، وقدموا نماذج رفيعة من البيان والبلاغة. ومن خلال قراءة الشعر، يتعلم الإنسان بصورة غير مباشرة دقة التعبير، وحسن اختيار الكلمات، والقدرة على صياغة الأفكار بأسلوب جميل ومؤثر.
وتزداد أهمية هذا الدور في عصرنا الحالي، حيث أصبحت اللغة المتداولة في كثير من الأحيان سريعة ومختصرة، خصوصًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تنتشر فيها ألفاظ أو تعبيرات لا تنسجم دائمًا مع الذوق العام، أو تضعف فيها العناية بقواعد اللغة وجمالياتها. ولا يعني ذلك أن اللغة اليومية ينبغي أن تكون أدبية أو شعرية في كل الأوقات، فاللغة تتطور بطبيعتها وتتأثر بالزمان والمكان، ولكن المشكلة تظهر عندما يصبح الابتذال أو الإسفاف هو الأسلوب الغالب، وتفقد الكلمة قيمتها وجمالها.
وهنا يأتي دور الشعر في إعادة الاعتبار للكلمة الجميلة، لأنه يربي لدى القارئ نوعًا من الحس اللغوي والذائقة الأدبية. فحين يعتاد الإنسان قراءة النصوص الراقية، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين التعبير الجميل والتعبير المبتذل، وبين الكلمة التي تضيف معنى والكلمة التي لا تؤدي إلا إلى الإساءة أو التشويش. ومن هذه الناحية، فإن الشعر لا يرتقي باللغة فحسب، بل يرتقي أيضًا بالذوق العام وبطريقة تعامل الإنسان مع الآخرين.
كما أن الشعر قادر على مواكبة العصر دون أن يتخلى عن جمال اللغة. فليس المطلوب أن نبقى أسرى لأساليب قديمة، وإنما أن نستفيد من ثراء التراث اللغوي ونوظفه في التعبير عن قضايا الإنسان المعاصر. والشاعر الحقيقي يستطيع أن يجمع بين وضوح المعنى وجمال الأسلوب، وأن يجعل اللغة قريبة من الناس من غير أن يفقدها قيمتها ورقيها.
ومع ذلك، فإن مسؤولية الحفاظ على اللغة والذوق العام لا تقع على الشعراء وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والكتاب والإعلام ووسائل التواصل. فكلما كانت اللغة التي يسمعها الإنسان ويقرأها أكثر احترامًا وجمالًا، أصبح أكثر ميلًا إلى استخدامها بطريقة راقية.
وفي النهاية، يمكن القول إن الشعر يظل أحد أهم روافد اللغة العربية، لأنه يحفظ ثروتها، ويجدد قدرتها على التعبير، ويمنحها جمالًا يتجاوز مجرد نقل المعنى. وفي زمن تتسارع فيه وسائل التواصل وتتغير فيه أساليب الكلام، يبقى الشعر قادرًا على تذكيرنا بأن الكلمة ليست مجرد أداة، بل مسؤولية وجمال وأثر. فالارتقاء باللغة يبدأ من تقدير الكلمة، وحسن اختيارها، واحترام عقل المتلقي وذوقه، والشعر من أجمل الفنون التي تستطيع أن تغرس هذا الوعي في النفوس.