من الأشعة الى الرنين المغنطيسي: تم تشخيص الداء، كيف الدواء؟ قراءة تحليلية في حالة السودان من خلال المؤشرات الدولية
لواء شرطة (م)
د. عصام الدين عباس احمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات
في الطب، يبدأ العلاج بالتشخيص. الطبيب لا يكتفي بوصف الأعراض، بل يلجأ إلى الفحوص والقياسات والمؤشرات ليعرف حقيقة الحالة، ودرجة خطورتها، وما إذا كانت تتجه نحو التحسن أم التدهور. وكلما كان التشخيص دقيقا، كان العلاج أكثر فاعلية، وبالمثل، فإن مؤشرات الدول ليست مجرد أرقام في تقارير دولية، إنها أشبه بفحوص دورية لحالة الدولة، تكشف مواطن العافية والاختلال، وتحدد مواضع الخلل وشدته واتجاهه. وكما ان التشخيص الطبي لا يعني إعلان المرض، بل نقطة البداية للعلاج، كذلك المؤشرات ليست شهادة إدانة بقدر ما هي أداة لفهم الواقع، وتحديد جذور الاختلال، وترتيب الأولويات، وقياس التقدم.
انخرطت العشرات من معامل التشخيص العالمية في دراسة حالة السودان وأصدرت نتائجها. جميع التقارير التشخيصية لا تبشر بخير، وهذا ليس ادانة، بقدر ما هو اعتراف بالداء ودعوة لبدء العلاج. فبحلول صيف 2026، وجد السودان نفسه، وللمرة الأولى، في ذيل القائمة العالمية على نحو متزامن: ثاني أقل دولة سلاما في العالم، وثاني أكثر دولة هشاشة، وضمن أدنى عُشر دول العالم حوكمة، وفي مصاف “الأنظمة الاستبدادية” ديمقراطيا، و”غير حر” بأدنى درجة تقريبا على مقياس الحريات، وفي فئة “التنمية البشرية المنخفضة” بعد أن تراجعت وتيرة تقدّم العالم كله، بحسب الأمم المتحدة، إلى أدنى مستوى لها منذ 35 عاما – والسودان أحد أبرز من دفع ذلك التراجع.
هذه الإحصاءات، وان تباينت الجهات التي تصدرها ، الا انها أجمعت على حقيقة لابد من الاعتراف بها وهي ان الدولة تنهار في آن واحد على مستويات الأمن والمؤسسات والاقتصاد والنسيج الاجتماعي. ونادرا ما تجتمع كل هذه المؤشرات على دولة واحدة في اللحظة نفسها، فالتقاطع بينها هو الدليل الأوضح على أن ما يجري في السودان ليس مجرد أزمة أمنية، بل انهيار شامل لفكرة الدولة نفسها.
`فيروس الحرب الذي انهك الجسد`
اندلعت الحرب الحالية في 15 أبريل 2023 إثر صراع على السلطة بين مؤسسات عسكرية متعددة. ففي احد أطرافها يقف الجيش السوداني وحلفاؤه من الحركات المسلحة والمليشيات القبلية والأيديلوجية، وفي طرفها الاخر نجد الدعم السريع ومناصريه من المليشيات المسلحة. منذ ذلك الحين، اتسع نطاق القتال وتغيرت جغرافيا الصراع الدموي وظلت هكذا متقلبة مع انقسام السيطرة الميدانية بينهما. يسيطر الجيش على الشمال والوسط والشرق، ويفرض الدعم السريع سيطرته على ولايات دارفور، بينما ظلت أجزاء واسعة من إقليمي كردفان والنيل الأزرق كمناطق سيطرة متبادلة.
في مؤشر السلام العالمي الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام في يونيو 2026، احتل السودان المرتبة 162 من أصل 163 دولة، متخلفا عن كل دول العالم تقريبا في السلامة المجتمعية وغياب النزاع والتسلح. أما مؤشر الدول الهشة، الصادر عن مؤسسة “صندوق السلام”، فيضع السودان في المرتبة الثانية عالميا في أحدث نسخة كاملة له خلف الصومال مباشرة، بعد أن قفزت درجته من 106.2 إلى 109.3 نقطة من أصل 120 خلال عام واحد فقط، أي أن الدولة السودانية باتت أكثر هشاشة.
وحده مؤشر الإرهاب العالمي شذّ عن هذه الصورة، إذ لا يضع السودان ضمن الدول العشر الأكثر تأثرا بالإرهاب عالميا. لكن ذلك لا يعكس انخفاضا فعليا في العنف بقدر ما يكشف عن حدود منهجية المؤشر نفسه، الذي يُصنِّف الأحداث وفق معايير مرتبطة عادة بتنظيمات غير حكومية، بينما يُصنَّف النزاع السوداني حربا أهلية بين قوتين نظاميتين. وهو تذكير بأن غياب رقم في مؤشر بعينه لا يعني بالضرورة غياب الكارثة، بل قد يعني فقط أنها تُقاس في مكان آخر وبمؤشر مختلف.
`غياب الدولة وتفكك مؤسساتها`
وضعت “مؤشرات الحوكمة العالمية “، التي يصدرها البنك الدولي سنويا، السودان ضمن أدنى النسب المئوية عالميا في كل الأبعاد الستة للحوكمة دون استثناء: صفر من 100 في الاستقرار السياسي، وصفر في فعالية الحكومة، وصفر في مكافحة الفساد، ونقطة واحدة فقط من 100 في سيادة القانون. حتى أفضل الأبعاد أداء، وهو “الصوت والمساءلة”، لم يتجاوز درجتين من مئة.
هذا الغياب شبه الكامل لأي وظيفة حكومية أساسية ينعكس مباشرة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حيث يحتل السودان المرتبة 175 من أصل 182 دولة في نسخة 2025 (الصادرة في فبراير 2026)، بدرجة 14 من 100 فقط – في تراجع إضافي عن العام الذي سبقه.
`متلازمة الديمقراطية والديكتاتورية`
برغم ثورات شعبه المتتالية ورفض مواطنيه للأنظمة الديكتاتورية، لكن يصر عسكر السودان على حرمانه ان يكون ضمن الديمقراطيات الراسخة او حتى الناشئة. يصنِّف مؤشر الديمقراطية، الذي تعدّه مجلة “إيكونوميست”، السودان “نظاما استبداديا” في المرتبة 162 عالميا بدرجة 1.46 من عشر درجات كاملة – من أضعف الفئات في المؤشر بأكمله. وبينما سجّل متوسط الديموقراطية العالمي، في نسخة 2025 الصادرة أبريل 2026، أول استقرار له بعد ثماني سنوات من التراجع المتواصل، ظلت الدول الغارقة في نزاعات مسلحة كالسودان بمعزل عن ذلك التحسن الهش.
الصورة نفسها تتكرر في تقرير “الحرية في العالم” الصادر عن منظمة “فريدم هاوس” في مارس 2026. يصنَّف السودان فيه “غير حر”، بدرجة إجمالية لا تتجاوز 1 من 100 – من أدنى الدرجات في العالم كله – وبدرجة سالبة (−4 من 40) في الحقوق السياسية، وهي درجة استثنائية يمنحها المؤشر فقط لحالات الانهيار الأمني والمؤسسي الشديد. أما الصحافة، التي تُعدّ عادة آخر خط دفاع عن الحقيقة في أوقات الحرب، فتراجعت هي الأخرى بشكل متسارع: من المرتبة 149 عالميا عام 2024 إلى 156 عام 2025 ثم 161 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”.
`التنمية البشرية ومتلازمة الفقر والجوع`
إذا كانت مؤشرات الأمن والحوكمة تقيس حاضر السودان، فإن مؤشرات التنمية تقيس مستقبله، وهي هنا لا تبعث على تفاؤل. يضع تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مايو 2025 السودان في المرتبة 176 من أصل 193 دولة، بقيمة مؤشر لا تتجاوز 0.511 نقطة، ضمن فئة “التنمية البشرية المنخفضة” – بمتوسط عمر متوقع لا يتجاوز 66.3 سنة، ومتوسط سنوات تعليم فعلية لا يتعدى أربع سنوات فقط لكل سوداني.
أما على صعيد الفقر متعدد الأبعاد، فقد جاء أحدث مسح ميداني وطني أجراه الجهاز المركزي للإحصاء السوداني، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد لمكافحة الفقر (نُشر يونيو 2026)، ليكشف واقعا أكثر قتامة بكثير مما أظهرته التقديرات السابقة المبنية على مسح 2014. فقد بات نحو 82.8% من السكان، أي ثمانية من كل عشرة سودانيين، يعيشون في حالة فقر متعدد الأبعاد، بمتوسط شدة حرمان بلغ 53.3% من الأبعاد التي يقيسها المؤشر (الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والتشغيل)، ليصل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد إلى 0.441. ويتصدّر الحرمان من الخدمات الصحية أبرز أسباب هذا الفقر (23.2% من مساهمة المؤشر)، يليه ضعف الالتحاق المدرسي (14.9%) وتراجع سنوات الدراسة (11.6%).
الجوع وحده لم ينتظر اكتمال البيانات ليعلن عن نفسه. صُنِّف وضع السودان في مؤشر الجوع العالمي 2025 ضمن الفئة “الخطيرة” بسبب تعذّر جمع بيانات كاملة في مناطق النزاع، لكن اليونيسف وآلية التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أكدتا ما هو أوضح من أي رقم مؤقت: وقوع مجاعة فعلية في الفاشر بشمال دارفور وكادقلي بجنوب كردفان خلال 2025 و2026، في مناطق شهدت أعنف الاشتباكات – دليل إضافي على أن المجاعة في السودان ليست نتاج جفاف أو كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لحرب تمنع الغذاء عمن يحتاجه.
`أرقام لا يكفي أي مؤشر لاحتوائها`
بين طيات هذه المؤشرات المركّبة، ثمة أرقام أكثر وضوحا وأشد وقعا توثّقها منظمات أممية مباشرة. تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية حتى يونيو 2026 إلى أن 9.9 مليون سوداني نزحوا داخليا منذ اندلاع الحرب وقبلها، فيما عبر أكثر من خمس مليون شخص الحدود كلاجئين ليصل إجمالي من أُجبروا على ترك ديارهم إلى نحو 14 مليون إنسان، في ما بات يوصف بأكبر أزمة نزوح في العالم. أكثر من نصف هؤلاء النازحين نساء، وأكثر من ربعهم أطفال دون سن الخامسة – جيل كامل يُبنى مستقبله، أو ما تبقى منه، خارج المدرسة وخارج الرعاية الصحية وخارج البيت.
أما حصيلة القتلى، فتبقى المفارقة المؤلمة والمؤسفة بحسبان انها إحصاءات تجاهلها الكل، حتى المجتمع الدولي. لا يوجد حتى الان رقم رسمي شامل لعدد الضحايا، رغم دخول النزاع عامه الرابع. أفاد مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في فبراير 2026 بأن عمليات قتل المدنيين الموثَّقة تضاعفت أكثر من مرتين ونصف المرة في 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه، مؤكدا أن “آلاف آخرين من القتلى لم تُحدَّد هويتهم أو ما زالوا في عداد المفقودين”. وفي غياب ذلك الرقم الرسمي، تظل أقرب التقديرات المتاحة تلك التي توصلت إليها دراسة أكاديمية أجرتها كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، ونُشرت في نوفمبر 2024، والتي قدّرت وقوع ما لا يقل عن 61 ألف حالة وفاة في ولاية الخرطوم وحدها بين أبريل 2023 ومنتصف 2024 – أي في ولاية واحدة فقط من أصل 18 ولاية سودانية، وخلال أقل من نصف عمر الحرب الحالي. وحذّر معدّو الدراسة أنفسهم من أن هذا الرقم على الأرجح أقل بكثير من الواقع الفعلي.
اقتصاديا، رسم البنك الدولي صورة قاتمة: انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 29.4% في 2023، تلاه انكماش إضافي بنسبة 13.5% في 2024، وارتفاع معدل الفقر المدقع من 33% من السكان عام 2022 إلى 82.8% في التقديرات الأحدث. وارتفعت البطالة من 32% إلى 47% خلال العامين نفسيهما، بينما بلغ التضخم 170% في 2024 وحده، وتراجعت إيرادات الحكومة من 10% إلى 4.7% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يتوقع البنك الدولي أن يبدأ أي تعافٍ اقتصادي حقيقي قبل عام 2031 – أي بعد ما لا يقل عن ثماني سنوات من اندلاع الحرب، حتى لو توقفت غدا.
`حين تتحدث الأرقام بصوت واحد`
نادرا ما تتفق مؤشرات مستقلة، تُعدّها جهات مختلفة بمنهجيات متباينة، على رسم الصورة نفسها لدولة واحدة. لكن هذا بالضبط ما يحدث مع السودان اليوم: من السلام إلى الحوكمة، ومن الديمقراطية إلى التنمية، بين مجاعة، واقتصاد لن يتعافى قبل نهاية العقد، وجيل من الأطفال يكبر خارج المدرسة، تتحرر الأرقام من دثارها الاحصائي لتصبح صرخة مدوية في عالم لم يعد يكترث كثيرا لآلام واوجاع الضعفاء. وما لم يتوقف القتال فعليا وتُفتح ممرات إنسانية آمنة ومستدامة، فإن المؤشرات المقبلة، وفق كل المعطيات المتاحة اليوم، لن تحمل أخبارا أفضل.
`نحو الحل: منطق الطوارئ لا اليأس`
على قتامتها، لا تفتح هذه الصورة البابَ لليأس بقدر ما تفرض منطقا علاجيا واضح الأولويات، أقرب إلى غرفة الطوارئ منه إلى طاولة الحوار والمفاوضات : فأي مريض ينزف لا يُعالَج من أمراضه المزمنة قبل أن يُوقَف نزيفه أولا. وقف الحرب هو تحديدا هذا الإجراء الطارئ الأول بل الشرط الذي بدونه يتحول أي برنامج إصلاحي، مهما بلغت جودته، إلى محاولة عبثية لترميم ما تهدمه المعارك يوميا.
فإذا ما توقف هذا النزيف واستعاد السودان قدرته على التنفس، فإن المؤشرات ذاتها تتحوّل من كشف حساب مأساوي إلى خارطة علاج جاهزة: فهي، بتحديدها الدقيق لمواضع الخلل في الحوكمة وسيادة القانون والصحة والتعليم والاقتصاد، ترسم مسبقا تسلسل الأولويات الذي ينبغي أن يسلكه أي مسار تعاف. وتؤكد تجارب دول أخرى خرجت من انهيارات مماثلة أن حدة السقوط ليست مؤشرا على استحالة النهوض، فالتعافي، حين تتوفر له الإرادة السياسية، غالبا ما يكون أسرع. السودان، بموارده الطبيعية والبشرية وموقعه الاستراتيجي، يملك من مقومات النهوض ما يجعل وقف الحرب اليوم استثمارا في تعاف سريع غدا.