الذهب السوداني وقود الحرب وضحيتها

 تقرير – سامفو ريبورت

يمتلك السودان واحدة من أكبر احتياطيات الذهب في إفريقيا، ويعتبر ثاني أكبر منتج ومصدر للذهب في القارة إلا أن هذه الثروة تحولت إلى نقمة بعد ان كان نعمة في اعين السودانيين ففي ظل النظام السابق ظلت تعاني من الإهدار المنظم من خلال شركات يمتلكها افراد ذوي نفوذ وسلطان ومؤسسات رسمية تخضع لسلطة صانع القرار وتوظف معظم عائداتها خارج نطاق الموازنة العامة والرقابة والمراجعة والمحاسبة والتدقيق في غياب كامل للشفافية لصالح افراد وجماعات ومؤسسات خاصة يديرها ذوي نفوذ اصبحوا وفق الكثيرين مافيا تتمتع بكافة أسباب السيطرة .

بعد اندلاع الحرب في 14 ابريل 2023 تحولت معظم عائدات الذهب المتقاسم بحكم مناطق نفوذ طرفي الصراع إلى تمويل الحرب والتهريب بدلاً من دعم الاقتصاد المنهك اصلا حيث تُقدّر التقارير أن الإنتاج الرسمي بين أبريل وأغسطس 2023 بلغ نحو 2 طن فقط، بينما يُهرّب ما بين 50% إلى 80% من الإنتاج الفعلي، عبر سوق الإمارات العربية المتحدة حسب صحيفة Sudan Tribune.
ويُستخدم الذهب في تمويل كل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل حيث يتم بيعه إلى شركات تسويق الذهب بدولة الامارات العربية من كلا الطرفين .
وتشير التقارير إلى ان قطاع الذهب كان قد شهد نموًا كبيرًا بعد 2010، وبلغ ذروته في 2016 في ظل نظام الجنرال عمر البشير بإنتاج بلغ 93 طنًا، لكنه تراجع لاحقًا ليصل إلى 34.5 طنًا في 2022، ثم ارتفع مجددًا إلى 65 طنًا في 2024 وفق تقرير وزارة المعادن، السودانية .
ويرجح بعض الخبراء إلى ان عمليات التهريب المنظم وغياب الرقابة والخلل الكبير في نظام التسويق رغم ارتفاع اسعار الذهب قد ادى إلى انخفاض ايرادات الذهب من 2.02 مليار دولار في 2022 إلى 1.6 مليار دولار في 2024 ، رغم ارتفاع أسعار الذهب عالميًا بنسبة 30% وفق تقرير (مجلس الذهب العالمي، 2024).
ووفق مبادرة الشفافية السودانية فقد الذهب أحد أعمدة الاقتصاد الموازي في السودان، حيث يتم تداوله خارج النظام المصرفي الرسمي، وتُدار كثير من الشركات من قبل جهات ذات نفوذ، بعيدًا عن الرقابة المؤسسية ويشير تقرير Africa Intelligence إلى أن بعض الشركات المسجلة تشارك في عمليات التهريب بدعم من جهات أمنية، وتُمنح الامتيازات غالبًا بعلاقات سياسية لا بمعايير اقتصادية .
ويُقدّر أن 70% إلى 80% من الإنتاج يُهرّب سنويًا عبر حدود السودان مع دول الجوار، من خلال شبكات محلية ودولية وفق تقرير لقلوبال ويتنس 2022-2023
ومنذ اندلاع الحرب في ابريل 2023، أصبحت مناجم الذهب في دارفور وجنوب كردفان خاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة، حيث تستخدم عائداتها لشراء السلاح وتمويل العمليات العسكرية وفق تقرير لقلوبال ويتنس وقد أدى هذا إلى فصل المناجم عن سيطرة الدولة وتحويلها إلى “مناطق سيادية” خارجة عن القانون في ظل اتلحرب الدائرة بالاضافة غلى السيطرة والتصرف في موارد البلاد وحاصلاتها الزراعية لاسيما اهم صادرات السودان من الصمغ العربي الذي يقع في مناطق سيطرة الدعم السريع في عدد من ولايات كردفان .
وتقدر تقارير مستقلة إلى ان خسائر السودان من الذهب المهرب مابين 50% إلى 80% حيث تسبب في حرمان الدولة السودانية من موارد وعئدات مالية ضخمة بناء على متوسط سعر الذهب العالمي في عام 2024 قدر مابين 23 مليار دولار و36 مليار دولار .
تشير تقارير مستقلة إلى أن ما بين 50% و80% من الإنتاج يُهرّب خارج السودان، ما يحرم الدولة من إيرادات ضخمة (Global Witness، 2022؛ Sudan Tribune، 2023). بناءً على متوسط سعر الذهب العالمي عام 2024 (64,000 دولار/كجم)، فإن خسائر السودان خلال العقد الماضي تُقدّر بين 23 مليار و36.8 مليار دولار.
بعد تراجع الاهتمام بزراعة المحاصيل النقدية كالقطن والصمغ العربي والسمسم وغيرها من اهم المحاصيل الزراعية التي شكلت العمود الفقري للإقتصاد السوداني أصبح الذهب أهم مورد اقتصادي سريع العائد واختبارا حقيقيا للدولة وسيادتها على مواردها إلا ان طبيعة السلطة واتساع دوائر الفساد التي انتجتها والطرق والوسائل التي تدار بها الموارد في ظل الخلل السياسي واشعال الحروب وإدامتها واستمرار الصراع حول السلطة والثروة قد وضع السودان كدولة وكشعب امام اختبار حقيقي وخيارات اساسية إما بوقف الحرب الحالية والإصلاح المؤسسي وبناء دولة المؤسسات والقانون والشفافية والحاسبة وصيانة الموارد لاحداث تنمية خلاقة وتطوير موارد البلاد المتنوعة وأما ان تظل البللاد رهينة لفوضى الحرب وسرقة مواردها وتحويلها غلى مصادر تمويل للصراعات والحروب وتفريخ المليشيات والحركات المسلحة ولوردات الحروب . وبين هذا وذاك يخلص هذا التقرير إلى ان مستقبل السودان الاقتصادي بموارده المتنوعة وعلى رأسها انتاج الذهب ستتحد ملامحه بين هاذين الخيارين.