خواطر وآراء حول رواية “48”: سوق العيش.. أشجان النوستالجيا وأحزان الحاضر

 

 

بقلم: د. سامي طيب الأسماء

 

315 صفحةً بين دفَّتيْ رواية (48) للكاتب الروائي الطبيب: محمد المصطفى موسى، أروت فينا غُلَّةَ صادٍ لحقبةٍ زمنيةٍ تجاسرت على الأدباء فما طرق بابها راوٍ أو قاص، ولم يعلق بذهني إزاء تلكم الحقبة إلّا كلمات معاوية محمد نور حينما وصف أهل بلادي في ثلاثينيات القرن الماضي قائلاً:”  ما لي أرى كلَّ شخصٍ عرفته أقل حيويةً وأكثر ضعفاً ؟ ما لي أرى الوجوه واجمةً، والألسنة معقولة ؟ ما لي أرى خالي وعمي وصحبي كلاً منهم كئيب حزين !ما لهذه الأرض الآمنة قد حلَّ بها الخراب !”. نعم كان هذا واقع السودانيين في تلكم الفترة التي كتب فيها د. محمد المصطفى موسى رواية (48).

لم يكن الدكتور محمد المصطفى موسى بدعاً من الأطباء الروائيين فهناك غير قليلٍ من الأطباء البارزين الذين تألقوا في عالم الأدب والروايات، منهم على سبيل المثال: يوسف إدريس، ونوال السعداوي، وأحمد خالد توفيق، ومحمد المنسي قنديل. ومنهم عالمياً: آرثر كونان دويل (مبتكر شارلوك هولمز)، والروسي تشيخوف.

اتخذت رواية «48»  من سوق العيش بأم درمان مسرحاً زمنياً بين 1937- 1948 لتفتح أفقاً نقدياً غنياً؛ لأنَّها تجمع بين السرد الروائي والوقائع التاريخية، والفضاء الشعبي الملهم.

استطاع الكاتب توظيف الذاكرة الفردية والجماعية ليخلق لنا روايةً ذات حبكة متقنة؛ فقد جعل الكاتب من سوق العيش – وهو الطبيب – القلب النابض في العاصمة السودانية، ينبض بالحياة ليغذي شرايين نادي الخريجين، والجمعيات الثقافية، والتيارات الحزبية، والفرق الرياضية، والأحياء القديمة، وحتى (الإندايات).

  • شخصيات الرواية:

لم تكن شخصيات الرواية نماذج فردية بتعقيدات نفسية مركبة، وإنَّما نماذج مجتمعية ذات دلالات عميقة وحقيقية:

    الرُفاعي:

التاجر الصوفي هو رمز للتاجر السوداني الصادق الطيب الأمين المتصوف المجذوب، ورمز لذلك الذي تحيط به صور أولياء الله الصالحين؛ هاهو الشيخ العبيد ود بدر بفرسه وسيفه، وإلى جواره الشيخ ودتكتوك بوضاءته وحكمته، وعلى يساره صورة الشيخ حسن ود حسونة بوضاءته وكراماته، وتتدلَّى من يده المسبحة، ويعبق البخور ليعُطِّر الزمان والمكان، ويوقعنا في فخ (النوستالجيا)، وسحر الماضي، وقداسة الذكريات.

 عوض الكريم طالب الطب :

نموذج لابن الأنصار، سليل الأمراء،  المتعلم والمثقف، الذي عشق اليسار والثورة رغم برجوازيته، شاب يحمل كل تناقضات أبناء جيله؛ حتى أضحى رمزاً لجيلٍ جديد يُزاوج بين ثقافة النخبة، ومزاج الشارع الشعبي. نعم هو ذلك الطبيب الشاب الذي قاوم الاستعمار الإنجليزي، وكأنّه مصطفى سعيد في موسم الهجرة إلى الشمال حينما خاطبه أستاذه بروفسيور (ماكسويل فستركين) قائلاً:” أنت يا مستر سعيد خير مثال على أنَّ مهمتنا الحضارية في إفريقيا عديمة الجدوى “.

ويحقُّ لنا أن نتساءل هل عوض الكريم هو مصطفى سعيد آخر؟ أو لعلَّه  معاوية محمد نور الذي وصفه د.النور حمد قائلاً:” برء معاوية بُرْءاً تاماً من الإحساس بالدونية تجاه الأجنبي، في وقت كان فيه الإحساس بالدونية، سمةً غالبةً لدى أدبائنا”.

سيد الرجال: العتَّالي النزيه الذي رفض التآمر على أبناء بلده -أولاد منصور- ورفض رشوة الخواجة، فأصبح بطل السوق، وتمَّ ترشيحه للمنافسة على مشيخة العتَّالين فانتصر في النزال، وانتصرت معه جموع المهمشين حيث تجاسر العتالة والعربجية والعمال، وتصاعد نفوذ النساء الشعبيات بقيادة (ماتريد)، ليس هذا وحسب بل حتى الرأسمالية الوطنية انتصرت بانتصاره، حين استندت إلى قاعدةٍ حقيقيةٍ فكان الانتصار.

جرجس مرقص المحامي: المسيحي  القبطي  الذي ساند السودانيين ليسترد لهم حقوقهم في محكمةٍ يرأسها قاضي إنجليزي، والمُدَّعي يهودي، فكان  رمزاً للتوافق بين المسلمين والمسيحيين في السودان، وما (حي المسالمة) الذي يجاور سوق العيش إلَّا دليلاً ورمزاً على ذلك.

 

(ماتريد) ست الإنداية :

صنعتها الأسطورة الشعبية وكأن (ما تريد) هي ما يريده الناس ويتخيلونه، وكأنها قد حوت الجمال،وانتهلت منه كما تريد،زكأنَّه إحدى خرائد أمير الشعراء حين قال :

أَقبَلنَ في ذَهَبِ الأَصيلِ وَوَشيِهِ             مِلءَ الغَلائِلِ لُؤلُؤاً وَفَريدا

يَحدِجنَ بِالحَدقِ الحَواسِدِ دُميَةً                كَظِباءِ وَجرَةَ مُقلَتَينِ وَجيدا

حَوَتِ الجَمالَ فَلَو ذَهَبتَ تَزيدُها في الوَهمِ   حُسناً ما اِستَطَعتَ مَزيدا،

نعم (ماتريد) هي أحلام الضعفاء والرؤساء والتجار والعمال.

قال الراوي:” أقبلت بقوامها الممشوق وجسدها المهيب، صندلها مكلَّلٌ بحبات غبار أملس، ترتفع فوقه ساقان ممتلئان بغواية ألجمها إزار ثوبها الأبيض”.

نعم (ماتريد) هي أسطورة الرواية، كانت تمضي إلى السوق في موكبٍ من الجمال والبهاء والسحر والعطر والوضاءة، ألجم جمالها الرجال والنساء، فتحَّول الحوار شعراً، والكلام نثراً، والحديث سجعا، حينها مزج الكاتب بين قصيدتي سيد عبدالعزيز “سيدة وجمالها فريد”، وقصيدة يا “قائد الأسطول” :

في خديده وضعوا الريد      يا من جمالها فريد

يا قائد الأسطول تخضع لك الفرسان     يا ذو الفخار والطول أرحم بني الإنسان

مين لسماك يطول ما يطولك اللمسان         معناك شرحه يطول والله يا إنسان

نعم كانت (ماتريد) رمزاً للمرأة المكافحة، القوية. قال عنها عوض الكريم  طالب الطب :” إنَّها ليست صاحبة خمارة؛ بل هي سيدة السوق وأم فقرائه”. نعم بالفعل (ماتريد)  آوت ميمونة بنت الكمندقو، وزينب العرجاء وأم فريوة -وكثيرات غيرهن-  ليؤدين أدواراً بطوليةً ووطنيةً، وليس بمستغرب أن  تصدح (ماتريد) بفلسفتها الخاصة ورؤيتها للاستقلال الحقيقي تقول:” العتَّالة لو ضهرهم انكسر، البيت انهدَّ من ساسه، الاستقلال البعرفو أنا ما في مؤتمرات الأفندية؛ الاستقلال يعني (همفري) أبوكسكتة ما يكون فوق المساكين، ولا (ديميتريوس والبعلبكي) يكسروا عين أولاد منصور والرفاعي”.

يمكنني القول إنَّ (ماتريد) قد لخَّصت الفكرة الجوهرية للرواية، والمعنى الحقيقي للاستقلال، وأوردت نقداً ذكياً للنُخب السياسية السودانية.

أمَّا (همفري،ديميتريوس، روفائيل البعلبكي)،  فقد كانوا رموزاً للمستعمر بكافة أوجهه وواجهاته السياسية والاقتصادية والأكاديمية والمخابراتية، فرَّقوا بين أهل البلد ليسودوا، استغلوا الضعفاء والخونة، وضعوا المؤامرات والدسائس، وانتصرت إرادة الشعب حين اتحد.

نعم كان لروفائيل البعلبكي دورٌ محوريٌ في الرواية، بمؤامراته ترابطت الحبكة، وبدهائه تواصلت ذروة الأحداث؛ فهو اليهودي الداهية، جمع بين يديه خيوط اللعبة، وأراد أن يُديرها كما يشاء، فرَّق  و(ساد)، وما لبث القوم أن أدركوا فقابلوا المؤامرات بالوحدة، والدسائس بالحنكة،  في أحداثٍ متداخلة توشح بها سردٌ بديعً، بلغةٍ فخمةٍ وأخَّاذة.

  • الفضاء المكاني: سوق العيش بطل الرواية:

تبدأ الأحداث من سوق العيش وإليه تعود؛ كان السوق مرآةً لِبِنْيَة المجتمع السوداني آنذاك توزعوا بين أفندية ورأسماليين، عتاَّلة وعربجية وعمال، إنجليز يهود ومسيحيين، شوام وأغاريق ، شماليين وجنوبيين.

لم تكن هنالك فئة مهمشة؛ بل كانت مجموعات العتالة تفرض قوتها وسطوتها على السوق، وحتى الحكومة الإنجليزية ممثلةً في المستر (همفري) تتابع مؤامرات التجار على اختيار شيخ العتَّالين.

نعم مخطئٌ من يظن أنَّ معركة اختيار (شيخ العتالين) وزعيمهم معركة تخصُّ سوق العيش وحسب؛ بل هي معركةُ السياسيين والاستقلاليين، وهي معركة التجار والعمال، هي معركة بين المستعمر وابن البلد، حولها تنسج خيوط المؤامرات، وبيع الذمم، وفيها تنتصر إرادة السودانيين حين يتحدون.نعم لقد قضى السوق على فكرة المهمشين، وأوضح دورهم الخفي والقوي في أحداثٍ جسام، ستتابعون أحداثها بأنفاسٍ لا تلبث أن تهبط حتى تتصاعد.

كانت الديمقراطية الشعبية حاضرة عند اختيار زعيم العتالة؛ وكأنَّ الراوي أراد أن يقول ليست (ويستمنستر) وحدها القادرة على ابتداع الديمقراطية، واختيار القاعدة لمن يقودها.

ومن الممتع مقارنة  سوق العيش في رواية 48، بما كتبه  معاوية نور عن سوق أم درمان في ثلاثينيات القرن الماضي؛ كتب معاوية:” هذا سوق أمدرمان، مازال كلُّ شيءٍ فيه كما كان قبل أعوام، فبائع القش في مكانه القديم، وكمساري الترام هو هو؛ إنَّما أقلَّ حيويةً ونظافةً، وبائعو الذرة والتمر كلُّهم في أماكنهم التي كانوا فيها قبل عشرات وعشرات الأعوام، من عهد الحكومة المهدية، جالسين ينظرون إلى الأفق والقليل من يبيع منهم. والسعيد السعيد من ظفر بقوت يومه، رطل من الذره أو قطعة من اللحم؛ فالتاجر والمزارع وصغار الصناع كلهم ساخط غاضب، لا يصرح بسخطه أو غضبه إلَّا في همس وفي حوز أمين؛ لأنَّهم يعرفون أنَّ الرجل منهم يستطيع أنْ يبيت على الطوى، ويبكي أولادُه جوعا،ً ولا يستطيع أنْ يؤخّر ما عليه للحكومة من الضرائب المتعددة، والعوائد المتنوعة”.

لقد حوَّلت رواية (48) السوق من مجرد مكانٍ، إلى كائنٍ حيٍّ نابضٍ بالحركة والعلاقات؛ لذا يمكن القول إنَّ (سوق العيش) هو البطل الرئيس في هذه الرواية. يقول عوض الكريم -طالب الطب في كلية غردون- حين حاول المستعمر إغراءه بالسفر إلى خارج السودان:”  إجازةٌ واحدةٌ في سوق العيش وحرِّه القائظ، أفضل عندي من صقيع موسكو يا سيدي”.ص68

يقول حدربي العربجي:” آآآ زول ها.. حرَّم الهواء الما فيه ريحة غبار السوق بخوره ما بنشم “.ص108.

يقول منشور حَسِتّو (نواة الحزب الشيوعي):” يا رجال ونساء السوق الشرفاء اتحدوا فلنقاوم دفاعاً عن آخر معاقلنا “.ص12

نعم اتَّحد رجال ونساء (السوق) الشرفاء فكانت ملحمة الوقوف مع الرفاعي ضد رفائيل اليهودي كأنَّها بشارات الاستقلال؛ إذ تجلَّت فيها الوحدة الوطنية بين القاعدة والقمة، وانتصروا بالفعل لكرامة الرفاعي ولكن كان للمتآمرين رأي آخر سأدعكم تستمتعون بقراءته.

هذه الملاحم من ملمحٍ واحدٍ في الرواية؛ إذاً  لقد شكَّل السوق بفضائه وإنسانه سوداناً مصغراً تبدأ منه الأحداث لتنتهي إليه، حتى الأسطورة كانت حاضرة ً في كجور الزاندين والنبوءات،  وكانت كرامات الأولياء تترى  رزقاً وانتصاراً وشفاءً.

  • الرواية السودانية ومقاومة الاستعمار:

لا أريد المقارنة بين (موسم الهجرة إلى الشمال)، ورواية(48)، فلكل رواية منهما فلسفتها الخاصة، رغم أنّهما – أيْ الروايتين- قد اتفقتا على شيءٍ واحد؛ هو بلا ريب رؤية المستعمر الإنجليزي تجاه السودانيين، فالجميع يعلم أنَّ الطيب صالح عمل في بريطانيا وعاش فيها، ومحمد الطيب مصطفى  يعمل طبيباً في الجزيرة البريطانية؛ إذاً كلا الرجلين يدركان كيف يفكر الإنجليز-رغم اختلاف الأزمنة- وكيف ينظر المستعمر إلى مواطني مستعمراته.

في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)، خاطب بروفسير (ريتشارد)  مصطفى سعيد قائلاً :” كلُّ هذا يدلُّ على أنَّكم لا تستطيعون الحياة بدوننا، كنتم تشكون من الاستعمار، ولمَّا خرجنا خلقتم أسطورة الاستعمار المستتر، يبدو أنَّ وجودنا بشكلٍ واضحٍ أو مستتر ضروري لكم كالماء والهواء”.

وفي رواية (48) يقول اللورد (أنتوني إكسيلي) ناصحاً  (همفري) المفتش القادم للسودان:” ستدير هنالك قوماً قلوبهم شتى مختلفات، تسيَّدناهم بصنع الحدَّاد الذي هو منهم، فألفيناهم غارقين في إعادة إنتاج أزماتهم، يأمنون مفتش المركز والمأمور أكثر ممَّا يأمنون بعضهم بعضاً، يجتمعون حول الأكاذيب والأوهام، ويتفرقون حول الحقيقة والوطن”.ص12

  • وفي الرواية نفسها يقول ديمترويوس:” الدراويش لا يصنعون إلَّا الوهم أمَّا نحن فصُنَّاع الحقائق التي جاءت لتبقى؛ الزيت والسوق والناس”ص145.
  • ديمترويوس نفسه بعد هزيمة المؤامرة قال:”هذه البلاد تلفظ من لا يفهمها”.
  • وردَّ عليه همفري:” بل تلفظ من يغرق في طَمْيِّها، وهو يتوهم نفسه سلطاناً عليها”. ص286
  • وأردف همفري:” هذا البلد المتنافر العصي على كلمةٍ واحدةٍ لَكَمْ أتعبنا !”. ص289.

لذا أتقنوا فنون الفتن والمؤامرات.ونحن السودانيين  مثل (آل البوربون) لم ننس شيئاً ولم نتعلم شيئاً، نعم فلقد عانى شعبنا، بل ظلَّ يعاني منذ الأزل وحتى يوم الناس هذا.

في بداية ثلاثينيات القرن الماضي كتب  معاوية محمد نور: ” ما أعرف أمةً تشقى بالمرض والألم الجسماني مثلما يشقي السودان، وما أعرف شعباً سُرقت منه حيويته، ومقدرته علي العمل والإنتاج مثل الشعب السوداني”.

  • الفكرة الجوهرية

وتكشف أحداث الرواية أنَّ الفكرة الجوهرية  تقول بصوتٍ عالٍ:”  لن ينصلح حال بلادي إلَّا باتحاد القاعدة والنخبة، وأنَّ المفكر والسياسي إذا لم يُعبِّرا عن هموم شعبه وآلام أمته فلن ننهض أو ننتصر،  وأنَّ القاعدة الشعبية من المهمشين : الزراع والعمال والصنايعية والرعاة هم الأصل، وهم الوعي، وهم أساس النعيم أو الجحيم” وأسوق بعضاً من أجزاء الرواية لعلَّها تؤكد هذا الزعم :

  • يقول الراوي:” (ماتريد) فعلاً ست إنداية لكن نفوذها اليوم يطغى على كلِّ سياسي”.78
  • ويقول :” الحرية لا تُبنى من فوق بل تُنبت من قاع الأرض”. إشارة للبناء السياسي القاعدي.

الراوي بقوله:” الزلزال لا يخرج من الجمعية التشريعية، ولا من نادي الخريجين،ولا من قصر الحاكم العام، ولا حتى من مجلس العموم البريطاني، بل يتصاعد من أسافل المدينة، يفور من الأغوارالسحيقة، كبخار مياه الجوف المنسية، من خور أبو عنجة حيث يبتدئ حي الموردة، ومن سوق العيش، ومن القمائر حيث معقل المرأة التي تفعل ما تريد، ولا يتحداها مخلوق فيما لا تريد “. ص 89.

  • لغة الرواية :

بينما كنت مستغرقاً في قراءة الرواية كنت أبحث عن لغة الكاتب؛ فتذكرت ما كتبه الروائي المصري المعروف إحسان عبدالقدوس في مقدمة إحدى رواياته حين عزا تأثر رواياته بالأسلوب الصحفي التقريري؛ إذ كانت (لغته الصحافية)  حاضرةً في رواياته الأولى؛ لتأثره بمهنته الأم. وفي رواية (48) بحثت عن لغة الطبيب وقد وجدتها في عبارتين فقط فهل استطاع أن يعزل مهنته شعورياً عن قلمه؟

  • يقول :” ووخزت سيرة (ماتريد) تحديداً ديمتريوس وكأنَّها إبرة نفذت إلى مواطن العصب”,ص30
  • ويقول: ” كلاهما كان عابساً متحفزاً، يتلصَّصُ على خواطره حتّى قبل أن تخرج،الأسئلة كانت حادةً كمشرطٍ يُدمي الذهن”.ص68

وقد تميَّزت الرواية بلغةٍ رصينةٍ ورفيعةٍ، وصياغاتٍ بديعةٍ متَّسقةٍ:

  • يقول في وصف المكان (البيت ينهض عن لَبِناتٍ من الطوب الأحمر،سِمْتُه عالٍ مرتفع، ونوافذه شامخةٌ متطاولة، تُطِّلُ من شرفاته أناقةٌ تتوارى في حضرتها مظان التكلُّف )
  • ويقول في وصف الطبيعة:” لوحة المغيب المتسربلة بالشفق ، والشمس التي كان قرصها يستدير تأهباً للانزواء، ومن خلفها اشرأبت طلائع الظلام وهي تتطلع للهبوط الآمن بأطراف حي العرب”.ص32
  • وتأتي كلماته موشاةً بالجمال يقول :” كان الليل يُراكِمُ في سريرته هواجسَ تسرَّب بعضها ليثقل كاهل المدينة، والسحب نسجت حول القمر أستاراً ظلماء أرخت سدولها لتختنق بعتمتها الأنجم،وتبتلع في متاهاتها المجرات”.  ص242″.

– يقول في وصف طيف المرأة:” وفي أقصى الحلم كانت صورة (ليديا) ترفُّ على متن نسمةٍ صيفيةٍ متمهلة، تهادت بمقدمها لتغمر جبينه المتعرق بلسعةٍ حاليةٍ “.ص71

. الرمزية والدلالات:

جاءت مع ذروة الأحداث أنَّ المتصارعين على مشيخة العتالين سودانيين،والدماء النازفة سودانية، وأرض المعركة سودانية، وموارد سوق العيش سودانية . وأنَّ المتآمرين والمستفيدين أرمني ويوناني ويهودي وإنجليزي، وأنَّ قاعدة التآمر تلك الكلاسيكية المعروفة بفرق تسد.

  • البناء الفني العام:

امتازت رواية (48) بتماسك الحبكة؛ إذْ تمَّ توظيف الأحداث التاريخية دون الإخلال بالفنية، وقد تمثلت الأحداث التاريخية في الجمعية التشريعية وما صاحبها من أحداث، وبداية ظهور التيارات السياسية (الأيديولوجية) لتُشكِّل اليسار والمين المتطرف، كما أظهر الكاتب  دورالقوى الجنوبية في الجمعية التشريعية، بل وفي المقاومة الشعبية.

  • أشارت الرواية إلى ذكاء اليسار السوداني في ابتداع الواجهات الثقافية لمجابهة الاستعمار.
  • التكنيك العالي جداً في السرد يوضح ذكاءَ ونضجَ واحترافيةَ الكاتب مثلاً: في ص 9 يقول:”ابتدر اللورد كل شيء بسؤال ألبسه نبرةً محايدة: ولا يبوح لك بسر عبارة ألبسه إلَّا في ص14 ومثل هذا كثير وممتع وبديع.
  • اهتمام  الكاتب بالتفاصيل كان مدهشاً ؛ فالطائرة- حينها-  من طراز (لوكهيد)، والراديو من ماركة (فيرانتي)، والمقاهي (يوسف الفكي، وجورج مشرقي)، وكرة القدم فريق الموردة، واستاك.

خاتمة: كانت هذه بعض شذراتٍ وآراء سجَّلتها وقد تملكتني الرواية، وأمسكت بتلابيب خواطري، ربَّما لا ترقى لأن تكون نقداً أكاديمياً رصيناً، لرواية (48) للكاتب الطبيب الأديب: محمد المصطفى موسى؛ أتوقع أن تجد هذه الرواية مكانتها التي تستحق ضمن روائع الأدب السوداني والإفريقي والعربي.