
ماهية “مجلس السلام” ووظيفته
تحليل: د. فرناز عطية …
عقد “مجلس السلام” أولى جلساته في الخميس الموافق 19 فبراير 2026 ، وذلك بحضور47 دولة، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق السلام في غزة، وإخلالها بالاستحقاقات الإنسانية والسياسية التي ترتبت على اتفاق وقف إطلاق النار الذي من المفترض أن تلتزم به إسرائيل، هذا بالإضافة إلى توتر الأحداث في بؤر صراع جديدة في العالم والشرق الأوسط.
ماهية “مجلس السلام” ووظيفته:
أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نوفمبر 2025 قرارًا رقم رقم 2803 يقضي بإنشاء هيئة انتقالية دولية مُخوّلة لها مهمة دعم الإدارة وإعادة الإعمار في قطاع غزة وإنعاشه اقتصاديًا، وضمان نزع السلاح من غزة، وذلك عقب اندلاع حرب غزة وعملية “طوفان الأقصى” السابع من أكتوبر 2023، ويذكر أن قرار إنشاء “مجلس السلام Board of Peace” جاء وفقًَا لخطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للسلام في غزة، وقد أعلن عن تشكيله في أواخر يناير 2026 ، بحضور “ترامب” وعدد من قادة وممثلي الدول الأعضاء بالمجلس، ضمن مراسم التوقيع على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي بدافوس في سويسرا، الذي جمع قادة السياسة والأعمال في العالم، وبشكل أعم فإن المجلس يضطلع بمهام استعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان تحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاع، ويصبح المجلس رسميًا بمجرد موافقة 3 دول أعضاء على الميثاق الخاص به، وتتخذ قراراته بالأغلبية، بحيث يكون لكل دولة عضو صوت واحد، إلا أن جميع القرارات تبقى خاضعة لموافقة الرئيس.
العضوية ورئاسة المجلس:
تنقسم العضوية في مجلس السلام إلى:
عضوية دائمة:
تكون للأعضاء الذين يساهمون بما يزيد عن مليار دولار أمريكي نقدًا في المجلس خلال السنة الأولى للمساهمة في أنشطته.
عضوية مؤقتة:
عضوية لاتمتد لأكثر من ثلاث سنوات من تاريخ دخول الميثاق الخاص بالمجلس حيز التنفيذ، وستكون قابلة للتجديد بقرار من رئيس المجلس “ترامب”.
وقد وجه “ترامب” الدعوة لعضوية مجلس السلام لنحو 60 دولة، منها من قبل الدعوة، ومنها من تحفظ عليها، فعلى سبيل المثال: بالنسبة للدول الأوروبية تحفظت على الدعوة، وبعضها ذكر أنها قيد الدراسة، وتعد المجر هي الدولة الوحيدة التي قبلت الدعوة، قبولاً تامًا، ويفسر ذلك نظرًا لأن الرئيس المجري يعد حليفًا تقليديًا لترامب، أما بقية الدول الأوروبية ارتابت من فكرة هذا المجلس، حيث رأى بعضها أنه قد يؤثر سلبًا على عمل الأمم المتحدة، التي اتهمها “ترامب” بعدم دعم جهوده لإنهاء الصراعات في أنحاء العالم، ومؤخرًا أعلن قادة دول تلقيهم دعوات للانضمام إلى المجلس من دون التطرق إلى نيتهم قبول الدعوة أو رفضها، ومن بين هؤلاء القادة الروسي “فلاديمير بوتين”، والتركي “رجب طيب أردوغان”، والمصري “عبد الفتاح السيسي”، وملك الأردن “عبدالله الثاني”، بينما رحبت المملكة المغربية بالدعوة وكذلك دولة الإمارات، وقد بلغ عدد أعضاء المجلس المؤسسين للمبادرة الآن 20 دولة ، هم : إسرائيل والسعودية وقطر ومصر، وانضمت أيضًا البحرين والأردن والكويت والمغرب وتركيا والإمارات، ومن باقي أنحاء العالم انضمت أيضًا ألبانيا والأرجنتين وأرمينيا وأذربيجان وروسيا البيضاء وبلغاريا وكمبوديا والسلفادور والمجر وإندونيسيا وكازاخستان وكوسوفو ومنغوليا وباكستان وباراجواي وأوزبكستان وفيتنام.
وبالنسبة للموقف الإسرائيلي من المجلس فقد أعلن في بادئ الأمر مكتب ” بن يامين نيتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان أن “الإعلان عن تركيبة المجلس التنفيذي لغزة الذي يندرج تحت مجلس السلام، لم يتم بالتنسيق مع إسرائيل ويتعارض مع سياستها”، ولم يوضح البيان أسباب الاعتراض، غير أنّ إسرائيل كانت قد أبدت في السابق معارضة شديدة لأي دور تركي في غزة ما بعد الحرب، لاسيما مع تدهور العلاقات بين البلدين بعد طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023، واشتعال الحرب في القطاع.
رئاسة المجلس:
يرأس “ترامب” المجلس رئاسة دائمة، مع صلاحيات واسعة بشكل كبير تشمل الحقّ في نقض قرارات المجلس، واختيار جميع الأعضاء الآخرين، والحق في عزلهم، وتحديد موعد اجتماعات المجلس ومواضيعها، كما يمكنه إصدار القرارات من تلقاء نفسه ويحتفظ “ترامب” الذي ذكر اسمه في الميثاق المؤسس للمجلس (35) مرة بالحق في رئاسة المجلس، حتى بعد انتهاء مدته كرئيس للولايات المتحدة.
الهيكل التنظيمي للمجلس:
المجلس العام: هيئة تتألف من الدول الأعضاء.
المجلس التنفيذي: هيئة تنفيذية يتم تعيين أعضائها من قبل الرئيس الأمريكي، وقد أعلن أن من بينهم: جاريد كوشنر، وتوني بلير، ووزير الخارجية التركي، ومسؤول قطري رفيع المستوى.
مجالس خاصة بالدول: مثل “المجلس التنفيذي لغزة”، المكلف بالإشراف المباشر على القطاع.
تمويل المجلس:
خلال الاجتماع الأول للمجلس أعلن “ترامب” أنه سيقدم 10 مليارات دولارًا لغزة عبر “مجلس السلام”، مؤكدًا أن دولاً أخرى ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولارًا كحزمة لإنقاذ القطاع، دون أن يوضح أوجه صرف هذه الأموال، وما إن كان الكونغرس قد وافق على مساهمة الـ10 مليارات التي أعلنها للمجلس.
هل سيصبح المجلس بديلاً للأمم المتحدة؟
هناك تساؤلات وشكوك تلوح في الأفق حول طبيعة الدور المستقبلي الذي سيضطلع به هذا المجلس، ومدى ارتباطه بمنظمة الأمم المتحدة ، وكونه منافسًا أو متكاملاً مع هذه المنظمة الدولية.
مؤشرات تؤكد سعي ترامب لاستبدال المنظمة الدولية بالمجلس الناشئ:
ذكر “ترامب” أنه “بمجرد الانتهاء من تشكيل هذا المجلس بالكامل، سنتمكن من فعل أي شيء تقريبًا نريد فعله، وسنفعل ذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة”، مؤكدًا أن المنظمة الدولية لديها إمكانات كبيرة لم تُستغل بالكامل، وهنا يحاول “ترامب” التأكيد على أنه سيعمل من خلال المجلس المستحدث تحت مظلة المنظمة الدولية، في نوع من المراوغة والتلاعب، فطالما انتقد دور المنظمة الدولية، وتحدث في كثير من المحافل حول عجزها عن حل الأزمات الدولية، وعجزها أمام كثير من القضايا، وبالتالي فإن هذا التناقض يثير الشكوك حول دور المنظمة وفاعليتها، بعد تفعيل دور هذا المجلس على أرض الواقع، لاسيما مع تأكيده بأنه من خلال المجلس سيحل النزاعات التي عجزت المنظمة عن حلها.
بالرغم من أن المجلس أصدر بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي حدد نهاية صلاحياته في نوفمبر 2027 ومع ذلك، يلاحظ أن الميثاق التأسيسي للمجلس لا يشير إلى ميثاق الأمم المتحدة صراحة، مما يثير تساؤلات حول مدى ارتباطه بالإطار الدولي القائم، ومحاولات المجلس الجديد الانسلاخ عن المنظمة الدولية.
مهمة مجلس السلام التي أنشئ من أجلها كانت مهمة محددة وهي استتباب السلام والاستقرار في غزة وإعادة إعمارها، إلا أن الحديث عن مهام المجلس تمدد ليشمل الحفاظ على السلم والأمن في العالم.
استمرار انتقادات الجانب الأمريكي للأمم المتحدة واتهامها بالفشل في حل الكثير من الأزمات، وبرز ذلك جليًا في مؤتمر ميونيخ للأمن 13 فبراير 2026، حتى أن تقرير المؤتمر السنوي حذّر من أن العالم دخل مرحلة جديدة من “سياسة كرة الهدم”، معتبرًا أن “ترامب” بات أبرز من يقود هذا التوجه، وجاء في التقرير: ” أن رئيس الولايات المتحدة، الدولة التي أسهمت أكثر من غيرها في بناء النظام الدولي بعد عام 1945، أصبح الآن (أبرز رجال الهدم)، وهو ما يضع النظام العالمي في حالة تآكل بعد أكثر من ثمانية عقود من تأسيسه”، كما يرى دبلوماسيون وخبراء أن عقيدة “أمريكا أولًا“، التي أعيد تفعيلها في ولاية ترامب الثانية، أعطت الأولوية للعمل الأحادي والدبلوماسية القائمة على المصالح، على حساب المؤسسات متعددة الأطراف، وهو ما أضعف الثقة في القيادة الأمريكية.
تأكيد “ترامب” في الاجتماع الافتتاحي الأول لـ”مجلس السلام” في واشنطن، أن المجلس سيتولى مهمة الإشراف على الأمم المتحدة لضمان قيامها بمهامها بشكل صحيح، وأنه يتصور دور المجلس كهيئة رقابية وتوجيهية تتأكد من كفاءة العمل داخل المنظمة الدولية، معتبرًا أن هذه الخطوة تهدف لتعزيز الهيئة العالمية لمعالجة مشاكل العالم بفعالية أكبر مما كانت عليه في السنوات الأخيرة.
جنوح الولايات المتحدة بزعامة “ترامب” للعمل الأحادي، حيث أعلن “ترامب” في 7 يناير 2026 وبموجب الأمر التنفيذي رقم 14199 عن انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية تم تحديدها في إطار مراجعة إدارة “ترامب” للمنظمات الدولية المبذرة والضارة وغير الفعالة كما جاء في الأمر التنقيذي وعلى صفحة وزارة الخارجية الأمريكية، وتتواصل أيضًا مراجعة المزيد من المنظمات الدولية بموجب الأمر التنفيذي رقم 14199.
وهنا نجد عددًا من العقبات والانتقادات التي تعترض طريق مجلس “السلام” وتجعله يعجز عن أن يقوم بمهام الأمم المتحدة، والتي تبرز في الآتي:
المرحلة الأولى من عملية السلام في غزة التي جاء المجلس ليقرها ويبني عليها، لم تحقق نجاحًا حقيقيًا ملموسًا على أرض الواقع، فالمساعدات الإنسانية لم تدخل إلى قطاع غزة بالحجم المطلوب، إضافة إلى استمرار الضربات الإسرائيلية الدامية بصورة شبه يومية على القطاع، ناهيك عن تواصل الحصار لسكان القطاع، وبالتالي فإن عدم وصول مجلس السلام لقرارات عاجلة وفعالة لإنهاء أزمات القطاع يجعل المجلس فاقد لمصداقيته، وينفي الهدف من وجوده.
عضوية المجلس الدائمة تكون حكرًا على الدول الغنية، وحق النقض المطلق يتمتع به “ترامب” وحده رئيس المجلس، وهو ترسيخ لسلطته يرفضه الكثير من الأعضاء، لاسيما الدول التي لها حق الـ”فيتو” في منظمة الأمم المتحدة كروسيا والصين.
الهيمنة الدبلوماسية المتمثلة في احتكار “ترامب” لرئاسة المجلس، والسيطرة على قراراته.
الانقسامات الدولية بشأن الانضمام لمجلس السلام، حيث رفضت دولاً كبرى ومنها الدول الأوروبية الانضمام للمجلس واكتفت بصفة مراقب.
ضم إسرائيل إلى مجلس مخصص للإشراف على الإدارة المؤقتة لغزة، وهي السبب الرئيس وراء تدمير القطاع وإبادة مواطنيه.
غياب الفلسطينيين عن التمثيل في المجلس، على الرغم من أنه مكلف بالإشراف على إدارة مؤقتة لأراض فلسطينية، في مقابل إشراف “ترامب” على المجلس الذي يتولى إدارة شؤون أراض أجنبية، مما يجعل الأمر قريب من الممارسات الاستعمارية.
اعتراض الأطراف ذات الشأن على عدد من القضايا التي يتضمنها، فإسرائيل على سبيل المثال رفضت المجلس التنفيذي لغزة، وحماس لم توقع على خطة السلام التي أتت بالمجلس.
عدم وضوح دور للأمم المتحدة ضمن قرار إنشاء “مجلس السلام” في مستقبل غزة، وكذا عدم تحديد السلطة القانونية أو أدوات الإنفاذ التي قد يتمتع بها “مجلس السلام” أو كيف سيتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.
ينظر مراقبون للمجلس على أنه محاولة للالتفاف على مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وتقويض نظام الأمن الجماعي القائم.
الاعتراض على بعض أعضاء المجلس كـ”توني بلير” بسبب دوره في حرب العراق، وعمليات الخداع الاستراتيجي التي مارسها عندما ادعى كذبًا امتلاك العراق للأسلحة نووية، وكذلك “كوشنر” صاحب مشروع صفقة القرن.
تخوف العديد من الدول ورفضها للاشتراك في قوى حفظ الاستقرار في غزة بسبب عدم وضوح صلاحيات وحدود عمل هذه القوات.
السيناريوهات والرؤى المستقبلية:
مما سبق يتضح لنا بأن “مجلس السلام” يواجه الكثير من الصعوبات والعقبات، التي يتمثل أبرزها في الغموض وعدم الوضوح فيما يتعلق بـ: علاقته بالأمم المتحدة، ووظائفه، وأعضائه، وعلاقته بالإطار القانوني الدولي.
وبالتالي فإن هناك ثلاث سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول: اخفاق “مجلس السلام” على المدى بسبب عدم التوافق بين أعضائه، والدول ذات القضايا المعنية فيه، وعدم اتخاذه قرارات ناجعة وعاجلة بشأن القضية التي أنشئ أصلاً من أجلها، وهي وقف الحرب في غزة، لاسيما مع الخروقات المستمرة من الجانب الإسرائيلي، إضافة لتهميشه للدول الأوروبية وكافة الأعضاء وترسيخه لسلطة “ترامب” المنحاز للجانب الإسرائيلي، لاسيما وأن سلطته ستنتهي يومًا ما.
السيناريو الثاني: استمرار مجلس السلام بوضعه الحالي ومحاولته منافسة الأمم المتحدة والانسلاخ عنها، ولكن هذا مستبعد نظرًا للامكانيات والخبرات التي تملكها المنظمة الدولية وكما أنها عكس المجلس تملك توافقًا بين أغلب أعضائها، وتملك أجهزة ومؤسسات مستقرة وعاملة، بخلاف المجلس الناشئ الذي يعيبه الغموض، ويضفى عليه طابع الشخصنة متمثلاً في “ترامب” وسلطته المطلقة غير المنطقية على المجلس، ومن المثير للجدل والتساؤل كيف يراقب مجلس السلام الذي يفتقد لوضوح آليات العمل به، على منظمة دولية ذات آليات عمل واضحة ومستقرة منذ سنوات..؟
السيناريو الثالث: وهو استمرار مجلس السلام والزخم حوله طالما استمر نفوذ “ترامب”، وعلاقته بالسلطة، لأنه أنشئ بدافع أن يجد “ترامب” موطئ قدم له للنفوذ والتأثير على السياسة الدولية حتى بعد تركه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ولتحقيق أهداف بعينها يختلف حولها الدول الأعضاء في المجلس اختلافًا كبيرًا منذ بدء تأسيسه، إضافة إلى أنه لايحل مشكلة السلام في غزة على أرض الواقع وبشكل عادل، بل يسمح لإسرائيل لكسب الوقت لإحراز مزيد من التقدم، وتغيير الأوضاع الجيوسياسية والديمغرافية، ليس فقط في غزة بل في الضفة الغربية.
وبالتالي فإن السيناريوهين الأقرب للواقع هو الأول والثالث مع ترجيح السيناريو الثالث في الوقت الراهن، وصعوبة أن يحل المجلس الوليد محل الأمم المتحدة بشكل كلي.
أن عقيدة “أمريكا أولًا“، التي أعيد تفعيلها في ولاية ترامب الثانية، أعطت الأولوية للعمل الأحادي والدبلوماسية القائمة على المصالح، على حساب المؤسسات متعددة الأطراف، وهو ما أضعف الثقة في القيادة الأمريكية.
تأكيد “ترامب” في الاجتماع الافتتاحي الأول لـ”مجلس السلام” في واشنطن، أن المجلس سيتولى مهمة الإشراف على الأمم المتحدة لضمان قيامها بمهامها بشكل صحيح، وأنه يتصور دور المجلس كهيئة رقابية وتوجيهية تتأكد من كفاءة العمل داخل المنظمة الدولية، معتبرًا أن هذه الخطوة تهدف لتعزيز الهيئة العالمية لمعالجة مشاكل العالم بفعالية أكبر مما كانت عليه في السنوات الأخيرة.
جنوح الولايات المتحدة بزعامة “ترامب” للعمل الأحادي، حيث أعلن “ترامب” في 7 يناير 2026 وبموجب الأمر التنفيذي رقم 14199 عن انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية تم تحديدها في إطار مراجعة إدارة “ترامب” للمنظمات الدولية المبذرة والضارة وغير الفعالة كما جاء في الأمر التنقيذي وعلى صفحة وزارة الخارجية الأمريكية، وتتواصل أيضًا مراجعة المزيد من المنظمات الدولية بموجب الأمر التنفيذي رقم 14199.
وهنا نجد عددًا من العقبات والانتقادات التي تعترض طريق مجلس “السلام” وتجعله يعجز عن أن يقوم بمهام الأمم المتحدة، والتي تبرز في الآتي:
المرحلة الأولى من عملية السلام في غزة التي جاء المجلس ليقرها ويبني عليها، لم تحقق نجاحًا حقيقيًا ملموسًا على أرض الواقع، فالمساعدات الإنسانية لم تدخل إلى قطاع غزة بالحجم المطلوب، إضافة إلى استمرار الضربات الإسرائيلية الدامية بصورة شبه يومية على القطاع، ناهيك عن تواصل الحصار لسكان القطاع، وبالتالي فإن عدم وصول مجلس السلام لقرارات عاجلة وفعالة لإنهاء أزمات القطاع يجعل المجلس فاقد لمصداقيته، وينفي الهدف من وجوده.
عضوية المجلس الدائمة تكون حكرًا على الدول الغنية، وحق النقض المطلق يتمتع به “ترامب” وحده رئيس المجلس، وهو ترسيخ لسلطته يرفضه الكثير من الأعضاء، لاسيما الدول التي لها حق الـ”فيتو” في منظمة الأمم المتحدة كروسيا والصين.
الهيمنة الدبلوماسية المتمثلة في احتكار “ترامب” لرئاسة المجلس، والسيطرة على قراراته.
الانقسامات الدولية بشأن الانضمام لمجلس السلام، حيث رفضت دولاً كبرى ومنها الدول الأوروبية الانضمام للمجلس واكتفت بصفة مراقب.
ضم إسرائيل إلى مجلس مخصص للإشراف على الإدارة المؤقتة لغزة، وهي السبب الرئيس وراء تدمير القطاع وإبادة مواطنيه.
غياب الفلسطينيين عن التمثيل في المجلس، على الرغم من أنه مكلف بالإشراف على إدارة مؤقتة لأراض فلسطينية، في مقابل إشراف “ترامب” على المجلس الذي يتولى إدارة شؤون أراض أجنبية، مما يجعل الأمر قريب من الممارسات الاستعمارية.
اعتراض الأطراف ذات الشأن على عدد من القضايا التي يتضمنها، فإسرائيل على سبيل المثال رفضت المجلس التنفيذي لغزة، وحماس لم توقع على خطة السلام التي أتت بالمجلس.
عدم وضوح دور للأمم المتحدة ضمن قرار إنشاء “مجلس السلام” في مستقبل غزة، وكذا عدم تحديد السلطة القانونية أو أدوات الإنفاذ التي قد يتمتع بها “مجلس السلام” أو كيف سيتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.
ينظر مراقبون للمجلس على أنه محاولة للالتفاف على مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وتقويض نظام الأمن الجماعي القائم.
الاعتراض على بعض أعضاء المجلس كـ”توني بلير” بسبب دوره في حرب العراق، وعمليات الخداع الاستراتيجي التي مارسها عندما ادعى كذبًا امتلاك العراق للأسلحة نووية، وكذلك “كوشنر” صاحب مشروع صفقة القرن.
تخوف العديد من الدول ورفضها للاشتراك في قوى حفظ الاستقرار في غزة بسبب عدم وضوح صلاحيات وحدود عمل هذه القوات.
السيناريوهات والرؤى المستقبلية:
مما سبق يتضح لنا بأن “مجلس السلام” يواجه الكثير من الصعوبات والعقبات، التي يتمثل أبرزها في الغموض وعدم الوضوح فيما يتعلق بـ: علاقته بالأمم المتحدة، ووظائفه، وأعضائه، وعلاقته بالإطار القانوني الدولي.
وبالتالي فإن هناك ثلاث سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول: اخفاق “مجلس السلام” على المدى بسبب عدم التوافق بين أعضائه، والدول ذات القضايا المعنية فيه، وعدم اتخاذه قرارات ناجعة وعاجلة بشأن القضية التي أنشئ أصلاً من أجلها، وهي وقف الحرب في غزة، لاسيما مع الخروقات المستمرة من الجانب الإسرائيلي، إضافة لتهميشه للدول الأوروبية وكافة الأعضاء وترسيخه لسلطة “ترامب” المنحاز للجانب الإسرائيلي، لاسيما وأن سلطته ستنتهي يومًا ما.
السيناريو الثاني: استمرار مجلس السلام بوضعه الحالي ومحاولته منافسة الأمم المتحدة والانسلاخ عنها، ولكن هذا مستبعد نظرًا للامكانيات والخبرات التي تملكها المنظمة الدولية وكما أنها عكس المجلس تملك توافقًا بين أغلب أعضائها، وتملك أجهزة ومؤسسات مستقرة وعاملة، بخلاف المجلس الناشئ الذي يعيبه الغموض، ويضفى عليه طابع الشخصنة متمثلاً في “ترامب” وسلطته المطلقة غير المنطقية على المجلس، ومن المثير للجدل والتساؤل كيف يراقب مجلس السلام الذي يفتقد لوضوح آليات العمل به، على منظمة دولية ذات آليات عمل واضحة ومستقرة منذ سنوات..؟
السيناريو الثالث: وهو استمرار مجلس السلام والزخم حوله طالما استمر نفوذ “ترامب”، وعلاقته بالسلطة، لأنه أنشئ بدافع أن يجد “ترامب” موطئ قدم له للنفوذ والتأثير على السياسة الدولية حتى بعد تركه رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ولتحقيق أهداف بعينها يختلف حولها الدول الأعضاء في المجلس اختلافًا كبيرًا منذ بدء تأسيسه، إضافة إلى أنه لايحل مشكلة السلام في غزة على أرض الواقع وبشكل عادل، بل يسمح لإسرائيل لكسب الوقت لإحراز مزيد من التقدم، وتغيير الأوضاع الجيوسياسية والديمغرافية، ليس فقط في غزة بل في الضفة الغربية.
وبالتالي فإن السيناريوهين الأقرب للواقع هو الأول والثالث مع ترجيح السيناريو الثالث في الوقت الراهن، وصعوبة أن يحل المجلس الوليد محل الأمم المتحدة بشكل كلي.