
الحرب الأمريكية الإيرانية – إستشراف مستقبل المنطقة والعالم
صلاح جلال
دراسات إستشراف المستقبل هي منهجيات علمية لتحليل الماضي والحاضر لتوقع التغيرات المحتملة فى المستقبل ، وصياغة سيناريوهات للتموضع الإقليمى والدولى ، الحرب الراهنة فى الشرق الأوسط زلزال سيفجر قضايا وتوجهات كانت تحت السطح ، إيران دولة تاريخية قوية فى الإقليم وذات وزن ، ولكنها لا تقارن بالولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية والإقتصادية الأولى فى العالم ، بعد هذه الحرب التى بالتأكيد ستنتهى بخسارة إيران لها ، لتصبح دولة فاشلة أو منكفئة فى أحسن الفروض ، حالة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية التى إستغرغت ما بين ١٠ الى ٢٠ عام لتقف على رجليها وتبنى نهضتها، الشعب الإيرانى من الشعوب القديمة وله حضارة عميقة وشخصية وعبقرية خاصة ، لايمكن محوه من الوجود ونزعه من سياق التأثير التاريخى للأبد ولكنه سيأخذ وقته فى المراجعات والعودة Come Back برؤية ووجه جديد ، يضعف فيه تأثير العمائم ، وتنخفض شعارات الثورة العالمية ، ويكون أكثر إستعداد لتحالفات إقليمية وعالمية كسبية .
(٢)
نتائج الحرب الراهنة الأوسع ستعم الخريطة السياسية فى إقليم الشرق الأوسط ، وآسيا من بين ضحاياها تيتم جبهات الرفض و المقاومة والأذرع الموالية لإيران فى المنطقة [حزب الله – الحوثيبن – الحشد الشعبى – الأخوان المسلمين] إضعاف عام وتخلخل تيارات المقاومة والرفض القومى بالمنطقة ، ستشهد صعود عالمى لدور مجلس التعاون الخليجى ، كممثل بالأصاله لدوله ، وبالوكالة للعالم العربى ، وأتوقع أن تنزوى جامعة الدول العربية ، ولن تجد من يمولها ، وتصبح إطار مناسباتى من الماضى .
(٣)
بزوال المهدد الأمنى العسكرى الإيرانى لدول الشرق الأوسط عامة والخليج خاصة ، سيكتفى الخليج العربى بتشكيل حلف موحد عسكرياً وأمنياً وينتهى عصر القواعد العسكرية التقليدية من بين دوله يتعاون مع النيتو وأمريكا ويحافظ على التنوع بالتعاون مع الصين والهند وروسيا ، مما يقلل حاجته للجيوش الوازنة الإقليمية ، الحرب الراهنة وضعت كل الجيوش التقليدية فى تحدى إستراتيجى ، لإعادة التموضع والتجديد للحروب الأليكترونية حروب الجيل السادس التى لاتعتمد على العدد بل تقوم على النوع والكفاءه ، هي حروب غير مرئية ، تعتمد على الذكاء الإصطناعي بشكل أساسى ، والهجمات السيبرانية، و الروبوتات، والحروب النفسية لتدمير الخصم من الداخل دون مواجهة عسكرية تقليدية وجبهات قتال ، إعادة إنتاج الجيوش العربية الوازنة تحتاج إلى زمن وأموال ضخمة ، ستبرز جيوش جديدة خاصة فى الخليج ، الذى يمتلك الإمكانات للتدريب والمعدات الحديثة ، سيتقلص دور جيوش حروب المواجهة والجبهات المباشرة
(رجل لرجل) .
(٤)
بعد نهاية الحرب سيقفز لمقدمة الأجندة العالمية أمن البحر الأحمر وباب المندب ، وخليج هرمز ، وطريق الحرير ، لبروز خطورة تأثير سلاسل الإمداد أثناء الحروب على إقتصاديات الدول المتقدمة ، مثل ال G20 و ال E6 ، والبريكس ، أتوقع أن تُطرح بقوة بعد هذه الحرب أفكار لحماية دولية لهذه الممرات لضمان تأمينها ، وفق إتفاقيات مع القوى الإقليمية ، تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية أفريقيا أتوقع بعد الحرب بروز تحالف دولى لترتيب الأوضاع السياسية فى منطقة الساحل والصحراء بالقضاء على المجموعات الإسلامية المتطرفة وستشهد مرحلة ما بعد الحرب تكثيف الصراع للسيطرة على موارد القارة الأفريقية ، بين أمريكا الجائعة للموارد وأوربا من جانب والصين وروسيا من جانب آخر ، سيحدث إصطفاف جديد وصراع فى القارة الأفريقية ، يفرز تكتلات جديدة بين التبعية والإعتدال والمقاومة .
(٥)
أتوقع بعد نهاية الحرب أن تسعى أمريكا لتهدئة العلاقات مع أوربا والصين وروسيا، لتأمين الإستقرار الإقتصادى العالمى بتحسين سلاسل الإمداد وتطوير التجارة البينية لمواجهة تحدى الركود الإقتصادى العالمى العظيم Global Deperdition الذى بدأت ملامحه بالظهور
ليتراجع التوتر لبعض الوقت فى بحر الصين الجنوبى ، والنزاع حول ضم تايوان ، أتوقع بعد الحرب أن تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغيير النظام فى جزيرة كوبا ، بتشديد الحصار عليها ودفعها إلى إصلاحات جذرية أساسية تترك التراث الشيوعى خلفها ، لصالح التحالف مع أمريكا، كما أتوقع بعد الحرب الإيرانية أن تخرج دولة إسرائيل كمنتصر من الحرب ، وقوة إقليمية لاتوقف Unstoppable مما يشكل تحدى كبير أمام حل الدولتين فى فلسطين ، وهذا يشكل ضغط كبير على دول المواجهة فى مصر والأردن وسوريا ولبنان
ودول الإتحاد الأوربى والخليج التى تتبنى حل الدولتين ، لمنح الفلسطينيين دولة قابلة للحياة تعيش فى سلام مع جيرانها .
(٦)
أتوقع بعد نهاية الحرب الإيرانية أن تتوقف الحرب فى السودان ، بإستبعاد الجيش من الحكم ، وإقصاء الأخوان المسلمين السودانيين وإعلانهم جماعة إرهابية وفق التصنيف الأمريكى وإستكمال التحول الديمقراطى، وإعادة هيمنة قوى ثورة ديسمبر المجيدة على مقاليد الحكم فى البلاد ، مع حل الدعم السريع ودمجه فى القوات المسلحة ، وفق معادلة إستبعاد الجيش من الحكم والسياسة والإقتصاد ، وتكوين جيش قومى ومهنى يخضع للإرادة المدنية وفق المعايير العالمية ، وأتوقع إعلان إنضمام السودان للإتفاقيات الإبراهيمية والتحالف مع الأمريكان فى المنطقة ، وأن يلعب السودان دور مفتاحى وازن فى أمن البحر الأحمر ، والقرن الأفريقى ومنطقة الساحل والصحراء .
(٧)
ختامة
الحرب الأمريكية الإيرانية ليست حرب إقليمية محدودة ، بل ذات تأثير دولى غير محدود ستغير ملامح العالم من بعدها Game Changer توازن عالمى جديد وتحالفات جديدة وتحولات ضخمة فى الشرق الأوسط خاصة ، سيظل تأثير موجاتها وتفاعلاتها لعقود قادمة .