الفقر في السودان: مفارقة الغنى والحرمان

د الطيب حاج مكي

يُعد السودان واحدًا من أغنى دول القارة الإفريقية من حيث الموارد الطبيعية والبشرية، إلا أنه في الوقت ذاته يعاني من معدلات فقر مرتفعة وظروف معيشية صعبة يعيشها جزء كبير من سكانه. هذه المفارقة بين الغنى الكامن والفقر الواقع تثير تساؤلات عميقة حول الأسباب الحقيقية التي قادت إلى هذا الوضع.

يمتلك السودان إمكانات هائلة؛ فهو يضم أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، يُستغل منها أقل من 25٪ وفق تقديرات البنك الدولي، إضافة إلى موارد مائية ضخمة بفضل نهر النيل. كما تشير تقارير إلى أن السودان يمتلك أحد أكبر احتياطيات الذهب في إفريقيا، حيث بلغ إنتاج الذهب نحو 80–100 طن سنويًا في بعض السنوات، وهو ما يجعله موردًا اقتصاديًا مهمًا. ولكن هذا المورد صار نهبا للتهريب والاستباحة والسرقة.
ورغم توفر هذه الموارد، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن أكثر من 46٪ من السكان يعيشون تحت خط الفقر، مع ارتفاع النسبة في المناطق الريفية إلى ما يفوق 60٪. كما شهد الاقتصاد السوداني تراجعًا حادًا، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي في عدة سنوات متتالية، وارتفع معدل التضخم إلى أكثر من 300٪ في عام 2021 بحسب بيانات البنك المركزي السوداني واليوم تجاوز معدلات التضخم الجامح.

من أبرز الأسباب التي ساهمت في تفاقم الفقر هو عدم الاستقرار السياسي الذي عانى منه السودان لعقود طويلة، نتيجة تكرار الانقلابات العسكرية وسيطرة الأنظمة الشمولية. هذا الاضطراب السياسي أعاق بناء مؤسسات قوية، وأثر سلبًا على الاستثمارات، حيث تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ظلت محدودة جدًا مقارنة بإمكانات البلاد.

إلى جانب ذلك، تفشى الفساد بشكل واسع، حيث ظل السودان في مراتب متأخرة ضمن مؤشرات الفساد العالمية، ولم تتذيله في بعض الفترات إلا دول مثل الصومال وسوريا. هذا الفساد أدى إلى فقدان مليارات الدولارات من الموارد العامة سنويًا، وفق تقديرات غير رسمية مدعومة بتقارير دولية.

كما يعاني السودان من أزمة تعليمية حادة، إذ تشير التقديرات لعام ٢٠١٩ إلى أن نحو 83٪ من الأطفال يتركون مقاعد الدراسة قبل إكمال المرحلة الثانوية، ما يعني أن 17٪ فقط يواصلون تعليمهم لما بعد ذلك. ويُعد التعليم أحد أهم أدوات الخروج من دائرة الفقر، وغيابه بالتأكيد يفتح الباب واسعاً أمام البطالة، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل البطالة بين الشباب يتجاوز 30٪ في بعض التقديرات.

وتظهر آثار هذه الأزمة بوضوح في الواقع الاجتماعي، حيث كشفت دراسة اعدها كاتب السطور في عام ٢٠١٩ بأن نحو 90٪ من نزلاء سجن كادقلي هم من فئة الشباب دون سن العشرين، وأن الجرائم التي أدت إلى سجنهم ترتبط بشكل مباشر بالفقر والجوع والحرمان. وهذا يعكس العلاقة الوثيقة بين التدهور الاقتصادي والانحراف الاجتماعي، خاصة في ظل غياب فرص التعليم والعمل.

ان الفقر في السودان ليس نتيجة نقص في الموارد، بل هو نتيجة تراكمات من سوء الإدارة، وعدم الاستقرار السياسي، والفساد، وضعف الاستثمار في التعليم. وتشير مؤسسات مثل البنك الدولي إلى أن تحسين الحوكمة وفتح المجال لحرية التعبير والنشر وزيادة الاستثمار في رأس المال البشري يمكن أن يرفع معدلات النمو بشكل ملحوظ ويُسهم في خفض الفقر خلال سنوات قليلة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة.