الدَّين كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية

الدَّين كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية

 

د الطيب حاج مكي

 

يُعدّ موضوع الدَّين في المعاملات المالية من القضايا الحيوية التي تتقاطع فيها الاعتبارات الفقهية مع الأبعاد الاقتصادية، لما لها من تأثير مباشر على حياة الأفراد واستقرار الأسواق. ولا تقتصر أهمية هذا الموضوع على الجانب النظري، بل تمتد إلى كونه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الواقع الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى أدوات تمويل تسهم في تحقيق التنمية المستدامة.

 

من الناحية الفقهية، يحظى مفهوم الدَّين بعناية كبيرة في الفقه الإسلامي، حيث يضبط وفق مبادئ واضحة تقوم على العدالة ومنع الظلم، وتحريم الربا، وضرورة توثيق المعاملات. ويحرص الفقهاء على التمييز بين صور المعاملات المشروعة، مثل البيع الآجل، وتلك المحرّمة، مثل الربا، مع معالجة مستمرة للقضايا المعاصرة كصيغ التمويل الحديثة، ومنها المرابحة والتورق. وهذا التوجه يعكس حرصًا على حماية الأطراف المتعاملة وضمان استقرار المعاملات التجارية ضمن إطار أخلاقي وتشريعي متكامل.

 

ولكن من الناحية الاقتصادية، فإن الدَّين ينبغي النظر إليه كأداة أساسية لتحفيز النشاط الاقتصادي. فهو يربط بين الفوائض المالية من جهة، والحاجات الاستثمارية والاستهلاكية من جهة أخرى، مما يسهم في تنشيط الأسواق وتعزيز النمو. فالقروض في هذا السياق تمكّن رواد الأعمال من تأسيس مشاريعهم وتوسيعها، وتساعد الشركات على تطوير بنيتها التحتية والاستثمار في التكنولوجيا، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة.

كما تلعب القروض دورًا مهمًا في تحريك الطلب داخل الاقتصاد، إذ تتيح للأفراد تمويل احتياجاتهم الأساسية مثل السكن والتعليم والرعاية الصحية، وهو ما ينعكس إيجابًا على مختلف القطاعات الاقتصادية. وعلى الصعيد الاجتماعي، تسهم القروض في تحسين مستوى المعيشة، خاصة عندما تُوجَّه بشكل عادل ومدروس، حيث تتيح القروض التعليمية فرصًا أوسع للتعلم، وتوفّر القروض السكنية الاستقرار الأسري، بينما تعزز القروض الصغيرة من تمكين الفئات محدودة الدخل ودعم مشاركتها في النشاط الاقتصادي.

ويكشف التباين بين الطرح الفقهي الذي يميل إلى التحوّط والطرح الاقتصادي الذي يسعى إلى المرونة عن تحدٍ حقيقي يتمثل في تحقيق التوازن بين الالتزام بالأحكام الشرعية ومتطلبات الاقتصاد الحديث. إلا أن هذا التباين يمكن أن يتحول إلى تكامل إذا ما أُحسن توظيفه، بحيث تُصاغ نماذج مالية تجمع بين الانضباط القيمي والكفاءة الاقتصادية.

 

وفي السياق التطبيقي، يبرز مثال السودان بوصفه حالة دالة على تعقيدات إدارة الدَّين في الاقتصادات النامية. فبحسب بيانات البنك الدولي وبنك السودان المركزي، يعاني السودان من مستويات مرتفعة من الديون، حيث تجاوز إجمالي الدين العام بشقيه الخارجي والداخلي نسبًا كبيرة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أن التركيز الدولي ينصب غالبًا على الدين الخارجي، فإن الدين الداخلي يمثل بدوره عبئًا متزايدًا على الاقتصاد المحلي، خاصة مع اعتماد الحكومة على الاقتراض من الجهاز المصرفي المحلي لتمويل العجز، وهو ما يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص وتقليص فرص التمويل المتاحة له. أما على مستوى الأفراد، فإن تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم يدفعان إلى زيادة الاعتماد على القروض لتغطية الاحتياجات الأساسية، مما يفاقم هشاشة الأوضاع المعيشية ويزيد من مخاطر التعثر.

ومهما يكن فان الدين والاقتراض على مستوى الدول، يعد أداة مهمة لتمويل المشاريع الكبرى، مثل البنية التحتية والخدمات العامة، عندما تكون الموارد الذاتية غير كافية. لان هذه المشاريع ستسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التنمية طويلة الأمد، مما يجعل الدَّين عنصرًا فاعلًا في السياسات الاقتصادية للدول. غير أن فعالية الدَّين تبقى مرهونة بحسن استخدامه وإدارته. فالإفراط في الاقتراض أو توجيه القروض نحو أنشطة غير منتجة قد يؤدي إلى أزمات مالية تهدد الاستقرار الاقتصادي. ومن هنا، تبرز أهمية الحوكمة المؤسسية الرشيدة بوصفها إطارًا حاكمًا يضمن توجيه الديون نحو الاستخدامات التنموية الحقيقية، ويعزز الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد المالية. فوجود مؤسسات قوية وأنظمة رقابية فعالة يسهم في الحد من الفساد وسوء التخصيص، ويضمن تحقيق التوازن بين الاستدانة والاستدامة المالية، كما يعزز ثقة المستثمرين ويُحسن كفاءة السياسات الاقتصادية.

 

ويصح القول إن الدَّين، حين يُدار ضمن إطار متوازن يجمع بين الضوابط الشرعية والرؤية الاقتصادية، وتدعمه حوكمة مؤسسية رشيدة، يتحول من مجرد أداة مالية إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يستدعي استمرار الحوار بين الفقهاء والاقتصاديين، لتطوير نماذج تمويلية قادرة على مواكبة التحولات المعاصرة، وتحقيق تنمية مستدامة قائمة على العدالة والكفاءة.