
عندما تتعطل التطبيقات المصرفية… من يدير الأزمة؟
لواء شرطة (م)
د. عصام الدين عباس احمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
خلال الأسبوع الأخير من أغسطس ومطلع سبتمبر 2026 عانت بعض التطبيقات المصرفية من خلل بين وصل مرحلة التوقف شبه التام بينما لاذت البنوك بالصمت وكأن الأمر لا يعنيها وأصبح المواطن نهبا للشائعات والاستنتاجات التي افقدته الثقة في هذه التطبيقات. فشل التطبيقات المصرفية وغيرها من الخدمات الاستراتيجية ليس مجرد مشكلة تقنية يمكن تجاهلها او التقليل من اثرها، خصوصا في بلد مثل السودان أصبحت فيه التطبيقات المصرفية، وفي مقدمتها “بنكك” المملوك لبنك الخرطوم و”فوري” المملوك لبنك فيصل، جزءا أساسيا من الحياة الاقتصادية اليومية، في ظل شح السيولة النقدية واعتماد المواطنين والتجار على التحويلات الإلكترونية.
السؤال الذي يفرض نفسه، في رأيي، ليس: ما الذي حدث للتطبيق؟ هذا امر تقني تتعامل معه وحدة مختصة داخل إدارة التقنية في أي مصرف.
لكن السؤال الاستراتيجي هو:
ماذا ينبغي أن تفعل الدولة والبنوك عندما تتعطل خدمة مالية رقمية حيوية؟
أولا: الاعطال الكبيرة يجب أن تدار كـ”حادث تشغيلي” وليس ك”عطل عادي”
في الأنظمة المصرفية الحديثة توجد إجراءات قياسية لإدارة مثل هذه الحوادث، تبدأ بتفعيل خطة الاستجابة للحوادث Incident Response Plan، وتحديد طبيعة المشكلة ومداها، وهل هي عطل في التطبيق نفسه، أم في قواعد البيانات، أم في الشبكات، أم في البنية السحابية، أم في أنظمة الربط بين البنوك، أم حادثا أمنيا سيبرانيا، ام خلاف ذلك.
ثم تأتي إجراءات أساسية:
1. تحديد مستوى الحادث وتأثيره: كم عدد العملاء المتأثرين؟ وما الخدمات المتوقفة؟ وهل الأموال نفسها آمنة؟ وهل المشكلة محصورة في واجهة المستخدم أم تمتد إلى نظام المعاملات المركزي؟
2. التواصل الفوري والشفاف مع الجمهور: ليس مطلوبا كشف تفاصيل أمنية حساسة، ولكن من حق العميل أن يعرف:
o ما طبيعة العطل بصورة عامة؟
o ما الخدمات المتأثرة؟
o هل الأموال والأرصدة آمنة؟
o ما البدائل المتاحة؟
o ومتى يتوقع تحديث الحالة؟
3. إنشاء قناة رسمية لتحديث حالة الخدمة: بدلا من أن يعتمد المواطن على واتساب وفيسبوك والشائعات، ينبغي أن تكون هناك صفحة رسمية (Service Status Page) تعرض بصورة مستمرة حالة كل خدمة: تعمل، متذبذبة، متوقفة، وتاريخ آخر تحديث.
4. توفير بدائل تشغيلية: إذا تعطل تطبيق الهاتف، فلا ينبغي أن تتعطل المنظومة المالية كلها. يجب أن توجد قنوات بديلة، مثل USSD ، أو الإنترنت المصرفي، أو الوكلاء، أو قنوات أخرى معتمدة.
5. حماية المعاملات أثناء وبعد العطل: المشكلة الأخطر ليست فقط عدم القدرة على إرسال الأموال، وإنما احتمال حدوث معاملات مكررة، أو خصم دون إتمام التحويل، أو تأخر التسوية، أو اختلاف الأرصدة بين الأنظمة. لذلك يجب أن تكون هناك آليات واضحة لـ التسوية والمطابقة Reconciliation، واسترجاع المعاملات الفاشلة، ومعالجة شكاوى العملاء.
6. بعد عودة الخدمة، يجب إجراء Post-Incident Review. أي: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ لماذا استغرق الإصلاح هذه المدة؟ وما الإجراءات التي ستمنع تكراره؟
ثانيا: المشكلة تجسير الجزر الرقمية المعزولة
وهنا نصل إلى القضية الأهم.
لا ينبغي أن يكون مستقبل الخدمات المالية في السودان قائما على مجموعة تطبيقات مصرفية منفصلة، كل بنك يبني جزيرته الرقمية الخاصة، والعميل يصبح أسيرا للتطبيق الذي يوجد فيه حسابه. “بنكك” جزيرة، “فوري” جزيرة، وتطبيقات البنوك الأخرى جزر معزولة. وعندما تتعطل إحدى هذه الجزر، تتأثر حركة الأموال داخلها وفيما بينها، حتى لو كانت بقية المنظومة تعمل.
الحل ليس فقط أن نجعل كل تطبيق أكثر استقرارا.
الحل هو بناء جسر بين الجزر.
أي بناء منظومة وطنية للمدفوعات قابلة للتشغيل البيني Interoperable National Payment System، بحيث يستطيع المواطن تحويل الأموال من بنك إلى بنك، ومن بنك إلى محفظة، ومن محفظة إلى بنك، ومن مؤسسة مالية إلى أخرى، دون أن يكون نوع التطبيق أو المؤسسة التي ينتمي إليها الطرفان عائقا أمام المعاملة.
وهنا ينبغي أن يكون بنك السودان المركزي هو قائد هذه العملية التنظيمية والتقنية، بالتنسيق مع البنوك وشركات الاتصالات ومقدمي خدمات الدفع.
ثالثا: لماذا لا نتعلم من التجارب الناجحة، كينيا كنموذج
النموذج الكيني مهم ليس لأنه نموذج مثالي يمكن نسخه حرفيا، وإنما لأنه يوضح كيف يمكن الانتقال من خدمات مالية منفصلة إلى منظومة مترابطة.
بدأت كينيا مبكرا في تطوير خدمات الأموال عبر الهاتف، وكان “امبيسا M-PESA ” احد أهم التحولات في هذا المجال.
لكن الأهم من التطبيق نفسه هو البيئة التي تطور ونما فيها. ففي عام 2018، أقر البنك المركزي الكيني التشغيل البيني بين شبكات الأموال عبر الهاتف، بحيث أصبح بإمكان العميل تحويل الأموال بين الشبكات المختلفة بصورة مباشرة وفورية وآمنة، بدلا من إجباره على استخدام شبكة واحدة. وقد حدد البنك المركزي ثلاثة مبادئ واضحة: التكلفة، والأمان، والكفاءة.
ثم تطورت التجربة إلى التشغيل البيني الكامل لخدمات الأموال عبر الهاتف، بما في ذلك مدفوعات التجار والفواتير. والنتيجة أن العميل لم يعد مضطرا إلى التفكير: “هل الطرف الآخر يستخدم الشبكة نفسها التي أستخدمها؟”.
وهذه هي الفكرة الجوهرية: التطبيق ليس هو المنظومة. التطبيق مجرد واجهة للمنظومة.
رابعا: ماذا يمكن أن يتعلم السودان من امبيسا؟
ميزة امبيسا ليست فقط أنه سهل الاستخدام. القيمة الحقيقية تكمن في أنه أصبح جزءا من بنية دفع واسعة تضم المستخدمين والوكلاء والتجار ومقدمي الخدمات والبنوك وشبكات الاتصالات، وتعمل ضمن إطار تنظيمي ورقابي.
تشير بيانات البنك المركزي الكيني إلى وجود أكثر من 94 مليون حساب أموال عبر الهاتف مسجل وأكثر من 572 ألف وكيل نشط في يونيو 2026، وهو ما يعكس حجم البنية التحتية التي أصبحت جزءا من النظام المالي اليومي في البلاد.
كما أن كينيا اتجهت الآن إلى مستوى أعلى: نظام دفع سريع Fast Payment System على مستوى القطاع المالي، يسمح بإرسال واستقبال الأموال بصورة فورية بين العملاء بغض النظر عن نوع المؤسسة المالية التي يتعاملون معها.
وهذه ربما هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها في السودان.
خامسا: ماذا نحتاج في السودان؟
نحتاج إلى الانتقال من مفهوم:
“لدي تطبيق مصرفي يعمل”
إلى مفهوم:
“لدي منظومة دفع وطنية تعمل حتى إذا تعطل تطبيق معين”.
وهذا يتطلب، في تقديري، خمسة تحولات رئيسية:
1. التشغيل البيني (Interoperability): إلزام الأنظمة المصرفية ومقدمي خدمات الدفع بالقدرة على التعامل مع بعضهم البعض.
2. بوابة دفع وطنية (National Payment Switch) : تعمل كطبقة ربط بين البنوك ومقدمي خدمات الدفع والمحافظ الإلكترونية وشبكات الاتصالات.
3. التعافي من الكوارث (Redundancy & Disaster Recovery): لا يجوز أن تكون هناك نقطة فشل واحدة Single Point of Failure يمكن أن تؤدي إلى شلل خدمة وطنية.
4. إدارة الحوادث والتواصل العام (Incident Management & Public Communication): يجب أن تكون هناك قواعد واضحة تلزم المؤسسات المالية بإبلاغ العملاء بالانقطاعات الجوهرية وتحديثهم بصورة منتظمة.
5. الأمن السيبراني منذ التصميم (Cybersecurity by Design) : التشغيل البيني لا يعني التضحية بالأمان. بالعكس، يجب أن يتم من خلال معايير موحدة للتشفير، وإدارة الهوية، والمصادقة، ومراقبة الاحتيال، وسجلات التدقيق، والاستجابة للحوادث.
البنك المركزي الكيني، على سبيل المثال، يضع أمن ومرونة الخدمات الرقمية ضمن مسؤولياته الأساسية، مع التأكيد على حماية المعلومات والاستجابة للحوادث والتحسين المستمر للضوابط الأمنية.
أين وزارة الاتصالات والتحول الرقمي؟
هنا أيضا ينبغي أن نكون منصفين. ليس المطلوب من وزارة الاتصالات أن تصلح تطبيق “بنكك” أو “فوري”، فهذا شأن المؤسسات المالكة لهذه الخدمات والجهات الرقابية المالية.
لكن التحول الرقمي الوطني يتجاوز التطبيقات الفردية.
ومن صميم هذا الدور وضع المعايير والسياسات الوطنية المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية، والتشغيل البيني، والهوية الرقمية، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، واستمرارية الخدمات الرقمية الحيوية.
لذلك فإن حادثة مثل هذه ينبغي أن تكون مناسبة لفتح نقاش واضح بين: بنك السودان المركزي + البنوك + شركات الاتصالات + مقدمي خدمات الدفع + وزارة الاتصالات والتحول الرقمي + ووزارة الداخلية (السجل المدني).
حول سؤال أكبر:
كيف نبني بنية مالية رقمية وطنية لا تعتمد على تطبيق واحد، ولا بنك واحد، ولا شركة اتصالات واحدة؟
الخلاصة
المواطن السوداني اليوم لا يريد أن يعرف فقط لماذا تعطل “بنكك” أو “فوري”؟ هو يريد أن يطمئن إلى أن:
ماله آمن، ومعاملته لن تضيع، وهناك بديل إذا تعطل التطبيق، وهناك جهة مسؤولة تشرح له ما يحدث، والمنظومة كلها قادرة على الاستمرار حتى عند حدوث عطل كبير.
وهذا هو الفارق بين رقمنة الخدمات وبناء بنية تحتية رقمية.
فالمستقبل ليس لـ”بنكك” أو “فوري” أو أي تطبيق منفرد. المستقبل لمنظومة وطنية يستطيع فيها المواطن أن يرسل أمواله إلى أي مواطن آخر، من أي بنك أو محفظة أو مزود خدمة، بأمان وسرعة، دون أن يسأل: أنت تستخدم أي تطبيق؟