Business is booming.

ترتيب سلم الانتماء في الوجدان السوداني ( كان ما بقيتوا سودانيين بياكلكم المرفعين)

د الطيب حاج مكي

في منتصف أربعينيات القرن الماضي، كان السودان يقف على عتبة زمنٍ مضطرب؛ وطنٌ لم تكتمل ملامح استقلاله بعد، تتنازعه إرادات الخارج، وتتصارع في داخله تيارات السياسة ومراكز النفوذ المشدودة بحبالها، فيما كانت القبيلة والطائفة تتقدم أحياناً على معنى الوطن، وتستأثر من الوجدان العام بمساحات كان ينبغي أن تكون للوطن وحده. وكان السودان يومها لا يزال ينوء تحت احذية الحكم الثنائي المصري: البريطاني، وكانت المعركة حول مستقبله تتجاوز حدود السياسة بمعناها الضيق؛ فقد كانت معركة على من يملك حق تعريف السودان، ومن يملك حق تمثيل السودانيين، وإلى أي جهة يتجه ولاؤهم حين تتعارض المصالح وتتعدد الرايات. وفي مثل هذا المناخ، ليس ثمة غرابة أن تصبح القبيلة ساحة للاستقطاب، وأن تتحول الزعامة الأهلية إلى ورقة سياسية، وأن تحاول القوى المتنافسة أن تستقطب المجتمع من مداخله التقليدية: القبيلة من جهة، والطائفة من جهة أخرى. وأشهر تلك الوسائل أن البريطانيين عملوا بدأب على إنشاء قوى سياسية موالية لهم، ومن بينها الحزب الجمهوري الاشتراكي برئاسة إبراهيم بدري، الذي ارتبط باسم المسؤول البريطاني “دزموند” الذي انشغل بمحاولات استمالة بعض زعماء القبائل وإبعادهم عن الإمام عبد الرحمن المهدي. وفي وجه هذا الصخب، جاءت كلمات الإمام عبد الرحمن المهدي “لا شِيَع ولا طوائف ولا أحزاب؛ ديننا الإسلام، وطننا السودان” لا كصيحة في معركة حزبية عابرة، وإنما كأنها محاولة لإعادة ترتيب سلّم الانتماء في الوجدان السوداني. والعبارة قصيرة في مبناها، ولكنها واسعة في معناها؛ كلمات قليلة، لكنها تحمل في داخلها سؤالاً كبيراً عن الإنسان والوطن والهوية. واول الاسئلة
ما الذي يبقى من الوطن إذا صار أبناؤه شيعاً؟ وما الذي يبقى من الدين إذا تحولت الطائفة إلى جدار يفصل المسلم عن أخيه؟ وما الذي يبقى من السياسة إذا صار الحزب وطناً صغيراً ينافس الوطن الكبير؟ وكيف تقوم المواطنة إذا لم نخرج من نحن الصغيرة
إلى “نحن” السودانية. ولعل أعمق ما في حكمة الإمام أنها تحاول نقل الإنسان من دوائر الانتماء الضيقة إلى دائرة الانتماء الأوسع. فالقبيلة كانت ولا زالت تقول للإنسان: أنت منا. والطائفة او الجماعة تقول: أنت معنا. والحزب يقول: أنت معنا أو ضدنا. أما الوطن فيقول: أنت منا، حتى حين تختلف معنا.
وهنا تكمن المسافة الفكرية الهائلة بين الانتماء والوطنية. فالانتماء القبلي ليس عيباً، والطائفة ليست نقصاً ، والحزب ليس عبئاً؛ إنما الخطر يبدأ حين تتحول هذه الانتماءات الجزئية إلى بدائل عن دائرة الانتماء الوطني، وحين يصبح الجزء أكبر في نفوس الناس من الكل. وكأن الإمام، في عبارته، يقول للسودانيين: احتفظوا بجذوركم، ولكن لا تجعلوا الجذور تحجب عنكم الشجرة؛ اعتزوا بقبائلكم، ولكن لا تجعلوا القبيلة وطناً؛ وتمسكوا بعقيدتكم، ولكن لا تجعلوا الطائفة حدوداً للإسلام؛ واختلفوا في السياسة، ولكن لا تجعلوا الحزب أعلى من السودان.
ولا عجب فهو ابو الوطنية واليه تنسب العبارة الشعبية: كان ما خليتوا القبائل بقيتوا سودانيين، وخليتوا الطوائف بقيتوا مسلمين، يكلكم المرفعين.!
وهي حكمة تظهر براعة الإمام في مخاطبة الناس بلغتهم، لا بلغة الكتب والنخب. فالمرفعين ليس مجرد حيوان غادر كما في صورته الشعبية؛ إنه هنا صورة بلاغية للافتراس الذي ينتظر الجماعة حين تتفرق. فالجماعة المتماسكة يصعب افتراسها، أما الجماعة التي تتنازعها العصبيات والولاءات الضيقة فإنها تقدم نفسها للآخر وهي ممزقة. وبعض الصور الشعبية البسيطة فلسفة سياسية كاملة.
فإذا انشغل الناس بالجزء عن الكل، كما هو حالنا اليوم وجد الآخر طريقه إلى الكل. إنها حكمة يمكن أن تُقرأ في السياسة كما تُقرأ في الاجتماع، ويمكن أن تُفهم في زمن الاستعمار كما يمكن أن تُستعاد في زمن الاستقلال وﻓﻲ حاضرنا.
فالاستعمار لا يحتاج دائماً إلى القوة حين يستطيع أن يجد في المجتمع نفسه أسباب ضعفه. وقد يكون أخطر ما يهدد الوطن ليس خصماً يقف على حدوده، وإنما خصامٌ يسكن داخله. فالوطن في الاساس فكرة أخلاقية. ولهذا
لم يكن الوطن عند الإمام عبد الرحمن مجرد رقعة جغرافية، ولا مجرد إدارة سياسية تنتظر الاستقلال؛ كان الوطن فكرة أخلاقية قبل أن يكون دولة. وبهذا المعنى، لا يولد يوم يرفع العلم، ولا يوم تُعلن نهاية الحكم الأجنبي؛ وإنما يولد في الضمير عندما يشعر الناس أن مصيرهم واحد، وأن اختلافهم لا يلغي اشتراكهم في الأرض والتاريخ والمستقبل.
ولهذا فإن قال بعبارة: “وطننا السودان” وكنت دائما اراها تتجاوز كونها شعاراً سياسياً. إنها إعلان عن مركزية الوطن في الوعي. فالسودان ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل هو المعنى الذي يجعل اختلافاتنا قابلة للتعايش. وإذا فقد الوطن هذا المعنى، تحولت القبائل إلى أوطان صغيرة، والطوائف إلى حدود، والأحزاب إلى جزر متباعدة، وأصبح كل فريق يرى السودان من نافذة ضيقة تخصه وحده. وحين تضيق النوافذ، تضيق الرؤية. وحين تضيق الرؤية، يكبر الوهم بأن الوطن لا يتسع إلا لنا. ولهذا بين حكمة الأمس وسؤال اليوم ، تبدو هذه الكلمات، للوهلة الأولى، ابنة زمنها؛ قيلت في أربعينيات القرن الماضي، في ظل استعمار واستقطاب سياسي وصراع على مستقبل السودان. لكن الحكم الذهبية العميقة لا تموت بانتهاء الظرف الذي ولدت فيه. انها تقوم من غبارها.
فهي مثل البذرة؛ قد تُدفن في التراب سنوات، ثم يأتي زمن فتستعيد قدرتها على الإنبات.

وما أحوج السودان اليوم إلى إعادة قراءة تلك الحكمة لا بكونها شعاراً حزبياً، وإنما باعتبارها سؤالاً عن معنى الدولة والمواطنة والانتماء. فإذا كانت القبيلة فوق الدولة، ضعفت الدولة. وإذا كانت الجماعة فوق المجتمع، انقسم المجتمع. وإذا كان الحزب فوق الوطن، اختُزل الوطن في التكوين السياسي. أما إذا كان السودان هو الدائرة الأوسع التي تستوعب الجميع، فإن القبيلة تصبح ثقافة، والجماعة تصبح تأويلا في عقيدة، والحزب يصبح اجتهاداً سياسياً، ويظل الوطن هو السقف الذي يجمع هذه الاختلافات كلها. فهذه الحكمة تختصر وطناً. وقيمة كلمات الإمام عبد الرحمن المهدي ليست في أنها جاءت في مواجهة اسلوب خصم محتل فحسب، وإنما في أنها لامست مرضاً أعمق من الخصومة السياسية، مرض الانقسام حين يتحول الاختلاف الطبيعي إلى عصبية، والعصبية إلى ولاء، والولاء إلى قطيعة مع الآخرين. ولهذا يمكن أن نعيد قراءة عبارته من منظور أوسع؛ لا تجعلوا القبيلة بديلاً عن الوطن، ولا تجعلوا الطائفة بديلاً عن الدين، ولا تجعلوا الحزب بديلاً عن الوطن. فالسودان أكبر من قبائله.وأوسع من طوائفه. وأبقى من أحزابه. وأبعد غوراً من خلافاته السياسية. ولعل أجمل ما في هذه الحكمة أنها لا تطلب من الإنسان أن يخلع هويته، وإنما تطلب منه ألا يسجن نفسه داخلها. أن يكون ابن قبيلته، دون أن ينسى أنه ابن السودان. وأن يكون مسلماً، دون أن يجعل التعصب حجاباً بينه وبين سائر المسلمين. وأن يكون حزبياً، دون أن يجعل الحزب وطناً بديلاً عن الوطن. لهذا قال ديننا الإسلام، وطننا السودان. دينٌ يجمع الروح، ووطنٌ يجمع الأرض والإنسان.

وإذا كان المرفعين، في الحكمة الشعبية، ينتظر القاصية ويهاجم المجموعات المتفرقة، فإن الرسالة الأبعد من ذلك كله هي أن الوطن الذي يتفرق أبناؤه بأيديهم، قد يفتح للآخرين أبواباً لم يستطيعوا فتحها بالقوة. لذلك علينا أن نجعل بلادنا السودان أكبر من القبيلة، وأوسع من الطائفة، وأبقى من الحزب؛ فحين يصبح الوطن هو الانتماء الأكبر، لا يجد المرفعين بين أبنائه فريسةً منفردة.