
الثقة المفقودة والحلول المؤجلة: إطار عملي لتهيئة الطريق نحو حوار سوداني جاد
لواء شرطة (م)
د. عصام الدين عباس احمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات
مدخل
أطلق قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، دعوة رمادية اللون لابتدار حوار سوداني يهدف إلى إنهاء الأزمة، إلا أنها لم تلبث غير بعيد حتى قوبلت، كما كان متوقعا، برفض القوى السياسية والمدنية المؤثرة، التي قدمت جملة من المبررات السياسية والموضوعية التي تبدو، في معظمها، منطقية ومقبولة. وقد أسهمت الدعوة، بدلا من أن تفتح نافذة للحوار، في زيادة إرباك المشهد السياسي المضطرب أصلا.
ومن هنا تبرز ضرورة تفكيك ودحض السردية التي يحاول البعض تكريسها، والقائلة إن القوى السياسية والمدنية ترفض مبدأ الحوار من حيث المبدأ. فالمسألة، في جوهرها، ليست رفضا للحوار، وإنما اعتراض على طبيعة الدعوة، وتوقيتها، وشروطها، والملابسات السياسية المحيطة بها، وما قد يكتنفها من ترتيبات أو أجندات غير معلنة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إقناع السودانيين بأهمية الحوار، بقدر ما يكمن في تهيئة الشروط السياسية والفنية والإجرائية التي تجعل منه حوارا جادا وموثوقا وقادرا على بناء الحد الأدنى من الثقة المفقودة، وصولا إلى إنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة.
فالحوار يظل، في نهاية المطاف، الوسيلة الأكثر واقعية للوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد تأسيس الدولة على قواعد جديدة. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس هل نقبل الحوار أم نرفضه؟ وإنما كيف نجعل الحوار قابلا للنجاح، وما الترتيبات السياسية والفنية والإجرائية التي ينبغي أن تسبقه وترافقه وتضمن ألا يتحول إلى مجرد منصة لإدارة الأزمة أو إعادة إنتاج أسبابها؟
وعليه، فإن تجاوز هذا الجدل يتطلب نقل النقاش من ثنائية القبول والرفض إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن أن نجعل الحوار حوارا منتجا وقادرا على تحقيق غايته؟ فنجاح أي حوار لا يتوقف على مجرد الدعوة للجلوس إلى طاولة واحدة، وإنما على طبيعة الحوار والغايات المرجوة منه، والقواعد التي تنظمه، والضمانات التي تحيط به، والآليات التي تضمن تنفيذ مخرجاته. ومن هنا تأتي أهمية وضع إطار فني وإجرائي متكامل يحدد شروط الانخراط في الحوار، ومعايير المشاركة، وأجندته، وآليات إدارة جلساته واتخاذ القرار، وترتيبات وقف إطلاق النار وبناء الثقة، فضلا عن آليات تنفيذ ومراقبة ما يتم التوصل إليه. فالمطلوب ليس مجرد حوار يجمع الفرقاء، وإنما عملية سياسية محكمة التصميم قادرة على تحويل الحوار من مناسبة لتبادل المواقف إلى أداة لبناء الثقة، وإنهاء الحرب، والتوافق على مستقبل الدولة السودانية.
أولا: الاتفاق على طبيعة الحوار وهدفه النهائي
أولى الترتيبات المطلوبة هي تحديد الغرض من الحوار بصورة لا تحتمل التأويل. فإذا كان الهدف هو فقط عقد مؤتمر حوار سياسي لإدارة الخلافات بين القوى السياسية والعسكرية، فإن ذلك يختلف جذريا عن حوار هدفه إنهاء الحرب وتأسيس السلام والانتقال المدني. الحوار المطلوب في السودان ينبغي أن يكون حوارا لإنهاء الحرب ومعالجة جذورها وبناء نظام سياسي جديد، وليس مجرد حوار لتقاسم السلطة.
ومن ثم، ينبغي الاتفاق مسبقا على أن تكون الغايات الأساسية للحوار:
- وقف الحرب وإنهاء العنف المسلح.
- حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
- معالجة قضية تعدد الجيوش وتأسيس جيش وطني مهني موحد.
- الاتفاق على ترتيبات انتقالية مدنية واضحة.
- معالجة قضايا العدالة والمساءلة والمصالحة.
- وضع الأسس الدستورية والسياسية للمرحلة الانتقالية.
- الاتفاق على آليات تنفيذ ومراقبة وضمانات ملزمة للمخرجات.
وبذلك يصبح الحوار وسيلة لإنتاج تسوية تاريخية تغوص بعيدا في جذور الصراع السوداني وتجد لها المعالجات الناجعة.
ثانيا: فصل الحوار عن موازين القوة العسكرية
من أخطر عيوب أي حوار في ظل الحرب أن يدخل إليه كل طرف باعتبار أن ما يسيطر عليه عسكريا يمثل حقا سياسيا مكتسبا. لذلك يجب أن تكون هناك قاعدة واضحة بحيث لا تمنح السيطرة العسكرية شرعية سياسية تلقائية، ولا تستخدم نتائج الحرب العسكرية لتحديد مستقبل الدولة. هذا لا يعني تجاهل موازين القوى الواقعية، وإنما يعني منع تحويلها إلى أساس وحيد لتحديد شكل الدولة ومستقبلها.
ثالثا: الاتفاق على وقف إطلاق النار كمدخل للحوار
من الصعب تصور حوار سياسي جاد بينما يستمر القتال بصورة نشطة، ولذلك ينبغي أن تسبق الحوار، أو تتزامن معه، ترتيبات واضحة لوقف إطلاق النار، تتضمن:
- وقف العمليات القتالية.
- حماية المدنيين.
- فتح الممرات الإنسانية.
- ضمان وصول المساعدات دون عوائق.
- تحديد آلية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار و التحقق من الخروقات وتحديد المسؤول عنها.
- الاتفاق على إجراءات تدريجية للتعامل مع الخروقات.
وهنا ينبغي التمييز بين وقف إطلاق النار والحل السياسي، فالهدنة ليست حلا، لكنها توفر البيئة الضرورية للوصول إلى الحل.
رابعا: إنشاء هيئة تحضيرية مستقلة للحوار
من الضروري إنشاء لجنة تحضيرية مستقلة، لا تكون اللجنة التحضيرية خاضعة لأي طرف من أطراف الحرب، تتولى إعداد العملية بأكملها وتضم شخصيات سودانية ذات قبول نسبي، إلى جانب خبراء في التفاوض وبناء السلام والدستور والعدالة الانتقالية وإدارة النزاعات، وتكون مهمتها:
- تحديد الأطراف المشاركة.
- إعداد جدول الأعمال.
- تحديد قواعد الإجراءات.
- اقتراح آليات اتخاذ القرار.
- إعداد الوثائق المرجعية.
- تنظيم المشاورات السابقة للحوار.
- تحديد آليات فض النزاعات داخل الحوار.
- وضع خطة زمنية.
- إعداد مسودة الاتفاق النهائي.
خامسا: الاتفاق على معايير المشاركة
من أكثر القضايا حساسية: من يشارك؟
فالتمثيل الشامل لا يعني دعوة كل القوى دون معايير، لأن ذلك قد يحول الحوار إلى ساحة فوضوية يستحيل فيها الوصول إلى قرار، ويفتح الباب امام كيانات تتم صناعتها لأغراض مؤقتة. وفي المقابل، فإن الإقصاء غير المؤسس يفقد الحوار شرعيته.
الحل هو اعتماد معايير واضحة للمشاركة، تقوم على التمثيل الجغرافي، التمثيل السياسي، تمثيل النساء، الشباب، النازحين واللاجئين، المجتمع المدني، الأقاليم والمجتمعات المتضررة من الحرب، مشاركة القوى السياسية ذات الوزن الحقيقي، ومشاركة أصحاب المصلحة المباشرة في قضايا السلام والعدالة وإعادة بناء الدولة.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا تتحول قاعدة الشمول إلى ذريعة لإدخال أي جهة تستخدم العنف أو ترفض المبادئ الأساسية للحوار.
سادسا: عقد مشاورات ما قبل الحوار
من الأخطاء الشائعة القفز مباشرة إلى المناقشات النهائية. الأفضل أن تسبق الحوار عملية مشاورات واسعة على المستويين السياسي والمجتمعي، وتُطرح خلالها أسئلة محددة، مثل: ما أسباب الحرب؟ ما شروط وقفها؟ ما شكل الدولة التي يريدها السودانيون؟ كيف ينبغي أن تكون المؤسسة العسكرية؟ ما موقف المجتمع من العدالة والمساءلة؟ ما شكل المرحلة الانتقالية؟ ما القضايا التي يمكن التوافق حولها؟ وما القضايا التي تحتاج إلى تفاوض مباشر بين أطراف الحرب؟
هذه المشاورات تهدف إلى بناء أرضية مشتركة وإنتاج أجندة تعكس أولويات السودانيين لا أولويات النخب وحدها.
سابعا: تقسيم الحوار إلى مسارات متخصصة
ليس من الواقعي أن تُناقش كل قضايا السودان في غرفة واحدة وفي جلسات عامة. لذلك يمكن تنظيم الحوار في مسارات متوازية، من أهمها:
- مسار وقف الحرب والأمن: وقف إطلاق النار، الترتيبات الأمنية، إصلاح القطاع الأمني والعسكري، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، الرؤية المستقبلية للمؤسسة العسكرية.
- المسار السياسي والدستوري: شكل الدولة، النظام السياسي، المرحلة الانتقالية، الدستور، والانتخابات.
- مسار العدالة والمساءلة: الانتهاكات، العدالة الانتقالية، المحاسبة، جبر الضرر، والمصالحة.
- المسار الإنساني والاجتماعي: النازحون واللاجئون، العودة، الخدمات الأساسية.
- المسار الاقتصادي: إعادة الإعمار، بناء الاقتصاد، إدارة الموارد، المؤسسات المالية.
- مسار بناء السلام الاجتماعي: معالجة النزاعات المحلية، خطاب الكراهية، المصالحات المجتمعية، وإعادة بناء الثقة.
ويُرفع ما يتم الاتفاق عليه في هذه المسارات إلى الجلسات العامة لاعتماده ضمن الاتفاق السياسي الشامل.
ثامنا: وضع قواعد واضحة لاتخاذ القرار
لا يمكن أن ينجح الحوار إذا كانت آلية اتخاذ القرار غامضة. لذلك ينبغي تحديد مسبقا:
- متى يكون القرار بالتوافق؟ ومتى يمكن اللجوء إلى التصويت؟
- ما النصاب المطلوب؟
- كيف تتم معالجة القضايا التي يتعذر الاتفاق عليها؟
- كيف تُوثق الاعتراضات والتحفظات؟
والأفضل إعطاء الأولوية للتوافق في القضايا الجوهرية، مع وجود آلية احتياطية تمنع مجموعة صغيرة من تعطيل العملية بأكملها.
تاسعا: إنشاء أمانة فنية محترفة
الحوار السياسي الناجح يحتاج إلى جهاز فني قوي وليس إلى سياسيين فقط. تتولى الأمانة الفنية:
- إعداد أوراق الخلفية.
- توثيق الجلسات.
- صياغة المقترحات.
- إدارة قواعد البيانات والوثائق.
- إعداد محاضر الاجتماعات.
- متابعة تنفيذ القرارات.
- تقديم الدعم القانوني والدستوري.
- إدارة التواصل والإعلام.
- إعداد مصفوفة الالتزامات والمسؤوليات والجداول الزمنية.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن كثيرا من الاتفاقات السياسية تفشل ليس بسبب غياب النوايا السياسية فقط، وإنما بسبب ضعف الصياغة وآليات التنفيذ والمتابعة.
عاشرا: الاتفاق على الضمانات الدولية والإقليمية دون مصادرة القرار السوداني
يمكن للسودانيين أن يقودوا الحوار بأنفسهم، مع الاستفادة من المجتمع الإقليمي، والدولي كضامن وميسر وخبير. وهنا ينبغي التمييز بين الملكية السودانية للعملية والضمانات الخارجية. الوساطة الدولية يمكن أن توفر الخبرة الفنية، المراقبة، الضمانات، التمويل، الدعم اللوجستي، وآليات التحقق من التنفيذ. لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الإرادة السياسية السودانية.
الحادي عشر: بناء الثقة قبل القضايا الكبرى
الثقة لا تُطلب من الأطراف، بل تُبنى من خلال إجراءات عملية. يمكن البدء بإجراءات بناء ثقة مثل:
- إطلاق الأسرى والمحتجزين وفق ترتيبات متفق عليها.
- تسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
- وقف خطاب التحريض والكراهية.
- حماية المدنيين.
- وقف الاعتقالات المرتبطة بالمواقف السياسية.
- فتح المجال أمام الإعلام والمجتمع المدني.
- توفير ضمانات أمنية للمشاركين في الحوار.
هذه الإجراءات لا تحل الأزمة، لكنها تجعل الحوار أكثر قابلية للحياة.
الثاني عشر: جعل الحوار شفافا أمام الشعب
الحوار الذي يجري خلف الأبواب المغلقة وبدون تواصل مع المواطنين معرض لفقدان الشرعية. من الضروري اعتماد سياسة اتصال عامة تقوم على نشر أجندة الحوار، نشر المبادئ الإجرائية، إصدار بيانات دورية، توضيح نقاط الاتفاق والخلاف، تمكين الإعلام المستقل من متابعة العملية، تقديم تقارير دورية للشعب، مع الحفاظ، بطبيعة الحال، على سرية بعض جلسات التفاوض عندما تكون السرية ضرورية للوصول إلى التسوية.
الخلاصة: قبول الحوار لا يعني القبول بشروطه
إن القوى المدنية السودانية ليست مطالبة اليوم بالاختيار بين موقفين متناقضين: قبول الحوار كما طُرح، أو رفض الحوار من حيث المبدأ.
هناك خيار ثالث أكثر نضجا وفاعلية وهو تقديم تصور واطار عملي للانخراط المشروط في تصميم عملية الحوار نفسها.
فإذا كانت هناك اعتراضات على هوية الداعي للحوار، أو على توقيت الدعوة، أو على طبيعة الأطراف المشاركة، أو على غياب الضمانات، فإن الطريق الأفضل ليس بالضرورة إغلاق الباب، وإنما تحويل هذه الاعتراضات إلى شروط إجرائية وسياسية قابلة للتفاوض.
يمكن القول مثلا: نعم للحوار، ولكن لحوار لا يقوم على الأمر الواقع، نعم للحوار، ولكن بعد الموافقة على شروط أمنية وإنسانية تضمن وقف الحرب وهدنة مؤقتة، نعم للحوار، ولكن بمشاركة حقيقية لا شكلية، نعم للحوار، ولكن بأجندة واضحة، نعم للحوار، ولكن مع ضمانات تنفيذ، ونعم للحوار، ولكن بهدف الانتقال من الحرب السلام ومن الديكتاتورية إلى الدولة المدنية الديمقراطية.
في النهاية، فإن السؤال الأكثر نضجا بالنسبة للقوى السودانية ليس: هل نذهب إلى الحوار أم لا؟
بل:
كيف نعيد تصميم الحوار بحيث يصبح أداة لإنهاء الحرب، واستعادة الدولة، وبناء السلام، وتحقيق العدالة، وفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي؟
ذلك هو الحوار الذي يستحق أن ينخرط فيه السودانيون، وذلك هو الحوار الذي يمكن أن يأخذ السودان من إدارة الحرب إلى صناعة السلام.