Business is booming.

مستقبل الانتقال المدني  ودولة المؤسسات تحت ظل  العسكرة والمليشيات

 حسن أحمد الحسن

 

واجه السودانيون منذ الاستقلال وحتى اليوم اربعة انقلابات عسكرية ثلاثة انقلابات على حكومات منتخبة والانقلاب الأخير على فترة انتقالية جميع الانقلابات العسكرية بجميع مؤيديها من المدنيين الشموليين انتهت بثورات شعبية في أكتوبر 64 وابريل 85 وديسمبر 2019

أما الانقلاب الحالي بقيادة البرهان ونائبه حميدتي فقد واجه منذ 25 اكتوبر 2021 وحتى اليوم رفضا شعبيا كبيرا رغم محاولات التحشيد واللجوء إلى اشعال الحرب واستمرارها لتبرير الاستمرار في السلطة ورغم الأثمان الباهظة التي دفعها الشعب السوداني من ارواحه وموارده وسيادته خصما على استقراره وتطوره السياسي وتنميته الاقتصادية وعلاقاته مع المحيطين الاقليمي والدولي كدولة متسقة ومستقرة  .

هذا الإرث من الانقلابات وماخلقته من أزمات وصراعات وحروب بدافع فرض الحلول العسكرية لحل ازمات البلاد  السياسية والاجتماعية دفع بعض المجموعات الوطنية والقبلية والجهوية التي ترفع شعارات مظلومية الهامش في مواجهة مركز السلطة وهي المجموعات المناهضة لسلطات الانقلابيين إلى تكوين تشكيلات عسكرية تمردت على السلطة  في فترات معينة  رغم انه تم اختراق أغلبها من قبل استخبارات النظام الحاكم ثم استغلالها وتوظيفها ضد بعضها  عبر سياسية الترغيب والترهيب ففي اقليم دارفور وحده من حركتين فقط تناسلت أكثر من 160 حركة ومجموعة مسلحة مماجعل الاقليم بؤرة احتراب متنوع الألوان والاشكال والطموحات في ظل حكم الاسلاميين وسلطة الانقاذ التي دامت لثلاث عقود ,الأمر الذي دفع  النظام الحاكم إلى دخول عصر المليشيات المدعومة والموجهة بإنشاء مليشيا الجنجويد والتي تطورت برعاية ودعم الجيش لتصبح مايعرف بقوات الدعم السريع والتي تخوض اليوم حربا مدمرة ضد الجيش نفسه وضد المدنيين الذين دفعوا ثمنها الباهظ مثلما دفعت البلاد اسوأ ايامها على الإطلاق خصما على سيادتها وأمنها واقتصادها ومواردها فضلا عن ما تتعرض له من استباحة في وضح النهار في ظل حكومة ضعيفة وجيش منهك ودولة تتلاشى يوميا بفعل استشراء الفساد وتمدد نفوذ المليشيات المتحاربة في مناطق سيطرتها في ظل غياب القانون والدستور والقيادة الراشدة.

ومع دخول الحرب العبثية عامها الرابع تصر السلطة العسكرية الراهنة على احكام قبضتها تحت قوانين الحرب وهيمنتها على كافة مفاصل الدولة عبر مؤيديها سواء من الاسلاميين المتطرفين أو المليشيات المساندة للجيش وبعض القوى المدنية والانتهازية التي أكتنزت الأموال والثروات تحت ظل الحرب بفعل تعليق القوانين وغياب المساءلة القانونية.هذا الواقع انتج ثقافة التبعية و تخوين المعارضين للحرب والفساد

شواهد عديدة تؤيد هذه الفرضية أهمها :

على المستوى الاعلامي : الربط بين الانتماء والوطنية وبين التأييد المطلق لقيادة الجيش وتصوير أن اي نقد للأخطاء المدمرة التي ارتكبتها قيادة الجيش بمافي ذلك  الاستهتار والتفريط في الانتباه لحماية البلاد ومواطنيها مما أدى إلى وقوعها في حرب مدمرة تصويره بأنه  خيانة وتأييد لمليشيا الدعم السريع المتحاربة مع الجيش خيانة تستوجب السجن والاعدام  وقد أدين بالفعل العديد من المواطنين تحت عنوان المتعاونين مع المليشيا بل تمت ملاحقة قيادات سياسية لمجرد ممارسة دورها السياسي في النقد أو المطالبة بوقف الحرب بينما لايجدون حرجا في تكريم المجرمين الذين ارتكبوا انتهاكات من قادة المليشيا واستقطابهم دون مساءلة.

تصوير أن اي نقد أو مطالبة بالتحقيق في التفريط في أمن البلاد وسيادتها وسلامة مواطنيها ومساءلة القيادة الحاكمة عن ذلك  مثلما يحدث في كل دول العالم وكأنه جريمة تستوجب العقوبة  باعتباره عداء للقوات المسلحة التي هي احدى مؤسسات البلاد وكانها تهمة اشبه بتهم

( العداء  ضد  السامية عند الاسرائيليين )

تشويه صورة القوى المدنية ومكوناتها السياسية المطالبة  بوقف الحرب وانتهاج التفاوض عبر المبادرات الاقليمية والدولية ودمغها بالخيانة والعمالة للقوى الخارجية والتبعية لقوات الدعم السريع أمام الرأي العام وخلق صور نمطية سالبة للقوى المدنية وقادتها تهدف إلى تشويه الانتقال المدني نفسه لاجهاض فكرة تشكيل حكومة مدنية تؤسس لدولة القانون والإبقاء على عسكرة الحكم للحفاظ على مكاسبها ومصالخها الانتهازية في غياب الدستورو القانون .

على المستوى السياسي :

رفض كافة المبادرات الاقليمية والدولية وتصويرها بأنها ارتهان للخارج وخيانة وعمالة لأميركا والغرب ودمغ من يدعو لها بالعمالة والخيانة الوطنية واستخدام وسائل الحشد العشوائي للبسطاء والمستضعفين والمنتفعين من ثمن الحرب في مناطق هيمنة الجيش لرفض تلك المبادرات على ذات النهج الذي كان يمارسه رئيس النظام السابق وحزبه السياسي وبنفس السياسات والأليات والوسائل .

تجاهل القضايا الحيوية التي تمس أمن السودان القومي وقضايا الخدمات الأساسية التي تقوم عليها حياة المواطنين من طعام وأمن وكهرباء وعمل وانتاج وتعليم والتركيز على الدعاية السياسية وتجنيد مجموعات العلاقات العامة داخل وخارج السودان وتسويق صورة قائد الجيش كمنقذ للبلاد رغم الانهيارات والعقوبات والفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والانساني والأمني والخدمي وتراجع صورة السودان في المحافل الدولية كدولة مدنية متحضرة.

الجهود الدولية والاقليمية

ورغم تواصل الجهود الدولية بزعامة الولايات المتحدة والتي تستخدم سياسة العصا والجذرة في تعاملها مع الملف السوداني إلا ان هذه الجهود التي تترواح مدا وجذرا تحتاج إلى آليات على أرض الواقع وجدول زمني يلزم طرفي القتال بإنفاذ بنود مايتم الاتفاق عليه حرفيا مع وجود عقوبات رادعة ضد أي طرف يقوم بخرق الاتفاق وان تعمل الولايات المتحدة من خلال شركائها على رعاية انفاذ اي اتفاق يتم التوصل إليه حتى نهاياته لأن الحرب السياسية بكل ماتحمله من آليات التلاعب والتباطؤ والتسويف ليست أقل خطورة من الحرب الساخنة. كما أن على المجتمع الدولي أن يدرك بأن استعادة القوى المدنية والحياة السياسية الحرة لدورها هو عامل مهم ومساعد لممارسة الضغوط المطلوبة لانفاذ الاتفاق باعتبار ان المدنيين هم من دفعوا ثمن هذه الحرب وويلاتها .

تحديات الانتقال المدني في ظل وجود مليشيات وحركات مسلحة

اي اتفاق لايشمل بندا أساسيا بضم او تسريح قوات الحركات المسلحة كحركتي تحرير السودان بقيادة مناوي وعبد الواحد  ةالحلو وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل ابراهيم والحركات المنشقة عن منظومة حركات دارفور والقوات المشتركة ويشمل المليشيات التي دعمتها حكومة البرهان درع الجزيرة كيكل ودرع الشمال والبراؤون والمستنفرون والمجموعات المسلحة المتناثرة  على اسس قبلية ويبقي على هذه المجموعات المسلحة خارج نطاق القوات النظامية التي تقودها الدولة وتخضع لحكومة مدنية مستقلة . يظل الاتفاق  مهددا بالانهيار ويستحيل في ظل وجود حركات سياسية حزبية مسلحة ممارسة أي عمل يقود إلى انتقال مدني كامل لممارسة هذه الحركات دورها السياسي بفيتو مليشيات مسلحة  على اي قرار سياسي .وهذا يشكل أكبر مهدد للفترة الانتقالية والتحول المدني الديمقراطي.

دور الجيش الوطني  في ظل الدستور

اما بالنسبة للقوات المسلحة فهي معنية بمعالجة وضع جميع المسلحين وفق ألية الدمج والتسريح فضلا عن التزامها كقوات مسلحة وطنية بالدستور والقانون والانصراف إلى مهامها الدفاعية ومهام تطوير القوات المسلحة من حيث البناء والتسليح وإيجاد رؤية دفاعية جديدة لحماية حدود البلاد المترامية ومواردها وثرواتها المنهوبة والابتعاد كليا عن ممارسة اي نشاط سياسي عبر منصة الجيش وقوته المسلحة لخدمة اي طموحات فردية لاي من قياداته . فمن يريد العمل السياسي والتطلع للمشاركة السياسية عليه الاستقالة من القوات المسلحة والانضمام الى العملية السياسية بصفة مدنية وكمواطن مدني له حق الممارسة والمنافسة السياسية وفق الدستور.

رفع الوعي السياسي والوطني على المستوى الشعبي كحارس لدولة المؤسسات المدنية :

وتبقى مهمة بسط الوعي السياسي والثقافة السياسية في الممارسة والأداء من اهم مهام قادة الفكر والوعي والإعلام والثقافة لخلق البيئة الملائمة لبناء تجربة سياسية مدنية تقود لقيام دولة المؤسسات والقانون واعادة ثقافة التربية الوطنية على اسسس الانتماء الوطني وتضمينها في المدارس ومؤسسات التعليم والمؤسسات الثقافية لبناء مجتمع متكاتف ومستنير ومنتمي لوطنه حر في خياراته ومدرك لدوره في ممارسة الحرية دون التعدي على حريات الاخرين لخلق مناخ متحضر يسهم في استقرار المجتمع وتطوره وتقدمه وتفجير طاقات البلاد التنموية على كافة الأصعدة لتعويض الزمن المهدر في الحروب والنزاعات منذ الاستقلال وحتى اليوم واللحاق بركب العصر إكراما لدماء الشهداء في كل مراحل النضال الوطني والحروب العبثية واحتراما لتضحياتهم الغالية.