Business is booming.

مجدداً، قانون الكهرباء المعدل في السودان: فرصة تاريخية لبناء الطاقة المتوازنة والعالية الجودة ولجذب الاستثمار الوطني

م. خيري عبدالرحمن أحمد
1 أغسطس 2026

يشكل إعلان وزارة الطاقة السودانية في الخرطوم عن إجازة قانون الكهرباء الجديد المعدل من قبل الحكومة، تمهيداً لإعلانه رسمياً خلال الأيام المقبلة، واحداً من أهم التطورات التي يمكن أن يشهدها قطاع الكهرباء منذ سنوات طويلة.

فبحسب ما ورد في اللقاء التلفزيوني، يبدو أنه هو نفس تصور مشروع تعديل قانون الكهرباء لعام 2001، الذي أعدته الفترة الانتقالية عقب ثورة ديسمبر 2018، والذي يستهدف تعظيم دور قطاع الطاقة الحكومي في التنظيم والرقابة، وفتح الباب أمام القطاع الخاص للاستثمار في مشروعات توليد الكهرباء وتوزيعها، منهياً عملياً احتكار الدولة لهذين النشاطين طوال السنوات الماضية منذ تأسيس القطاع الحكومي عام 1952، قبل الاستقلال، عندما اشترت الحكومة جميع أسهم شركة النور، التي كانت قد أُنشئت عام 1925، وامتلكت شركة English Electric التي كانت أول من أدخل الكهرباء إلى السودان عام 1908.

فقط أنوه بأنه لم تتضح الصورة من اللقاء التلفزيوني بشأن النقل الكهربائي، وما إذا كان سيظل نشاطاً استراتيجياً تحتكره الدولة كما كان في التصور الانتقالي، أم سيفتح هو الآخر أمام الاستثمار الخاص وفق القانون الجديد.

وإلى أن تصلنا التفاصيل النهائية للقانون، فإن الاتجاه العام الذي ورد يمثل تحولاً استراتيجياً في فلسفة إدارة قطاع الكهرباء، وينسجم مع التجارب الدولية التي انتقلت فيها الحكومات من دور المنتج والمشغل إلى دور المنظم والمراقب وحامي المنافسة المهنية العادلة.

غير أن نجاح هذا التحول لن يقاس بمجرد تحرير الاستثمار، وإنما بقدرته على بناء سوق كهرباء حديثة تقوم على الجودة والشفافية، وحماية المستهلك، وتوفير التمويل والاستثمار بأحدث المناهج الاقتصادية، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة، والتأسيس لكل الضوابط واللوائح التي تضمن استدامة كل ذلك مع مرونة تطويره وتحديثه المستمر.

الحرب صنعت سوقاً فوضوياً كبيراً للطاقة الشمسية في السودان

أدت الحرب إلى انهيار أجزاء واسعة من الشبكة الكهربائية، وانقطعت الكهرباء عن ملايين المواطنين لفترات طويلة، الأمر الذي دفع المقتدرين من الأسر والمزارعين وبعض المستشفيات والمدارس والقطاع التجاري إلى الاعتماد بصورة غير مسبوقة على الطاقة الشمسية.

وبذلك نشأ، خلال فترة وجيزة، أكبر سوق للطاقة الشمسية في تاريخ السودان.

لكن هذا النمو السريع لم تصاحبه منظومة رقابية قادرة على ضبط الجودة، فدخلت إلى الأسواق كميات كبيرة من الألواح الشمسية والبطاريات والمحولات ومنظمات الشحن منخفضة الجودة، وكان كثير منها رديئاً، مما تسبب في خسائر كبيرة للمستهلكين، وأضر بسمعة الطاقة الشمسية نفسها، رغم أن المشكلة ليست في التقنية، وإنما في غياب تنظيم وإدارة تقديمها.

وقد كان من الإيجابي أن يخصص مسؤولو الطاقة جزءاً مهماً من حديثهم التلفزيوني لهذه القضية، مؤكدين اهتمام الوزارة بضبط جودة المعدات المستوردة. غير أن هذه المهمة تتطلب حلولاً مؤسسية مستدامة، لا تقتصر على الرقابة التقليدية التي تعتمد على الشكل أو ما يرد من بيانات المواصفات في أوراق المنتج أو الشحن.

الأرقام تؤكد أن الفرصة أكبر من التحديات

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة الحصول على الكهرباء في السودان قبل الحرب لم تتجاوز 30% إلى 35% من السكان، أي أن نحو 70% من المواطنين كانوا يفتقرون إلى خدمة الكهرباء بصورة منتظمة، وهي من أدنى النسب في أفريقيا.

وفي المقابل، وكما أوردنا بالتفصيل في مقالات سابقة، فإن السودان يمتلك واحداً من أفضل الموارد الشمسية في العالم، حيث يتراوح متوسط الإشعاع الشمسي بين 5.8 و7.2 كيلوواط ساعة لكل متر مربع يومياً، مع أكثر من 3200 ساعة سطوع شمسي سنوياً في معظم أنحاء البلاد، وهي أرقام تؤهله ليصبح مركزاً إقليمياً للطاقة الشمسية.

كما يشهد العالم طفرة غير مسبوقة في الاستثمار في الطاقة المتجددة. فقد تجاوزت الإضافات العالمية الجديدة من الطاقة المتجددة في عام 2025 نحو 580 جيجاواط، واستحوذت الطاقة الشمسية وحدها على نحو 80% من هذه الإضافات، بحسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA).

وفي أفريقيا، أطلقت مجموعة البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية مبادرة Mission 300، التي تستهدف إيصال الكهرباء إلى 300 مليون مواطن أفريقي بحلول عام 2030، مع تعبئة عشرات المليارات من الدولارات من التمويل العام والخاص لتحقيق ذلك الهدف.

إن هذه الأرقام تعني أن السودان لا يفتقر إلى الموارد الطبيعية ولا إلى فرص الاستثمار، وإنما يحتاج إلى البيئة القانونية والتنظيمية التي تمنحه القدرة على الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية. ومن هنا تأتي أهمية تهيئة المناخ بوقف الحرب أولاً، واستعادة الأمن، ثم صدور القانون الجديد ولوائحه.

الجودة لا تعني ارتفاع الأسعار

يعتقد البعض أن المعدات عالية الجودة تعني تكلفة مرتفعة، لكن التجارب الدولية أثبتت العكس.

فالمعدات الجيدة قد تكون أعلى سعراً عند الشراء، لكنها تعمل بكفاءة أعلى، وتعيش لفترات أطول، وتقلل تكاليف الصيانة والاستبدال، وبالتالي تصبح أقل تكلفة على المستهلك خلال عمرها التشغيلي.

والتحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الجودة والسعر، وإنما تحقيق الجودة بالسعر المناسب.

ويمكن الوصول إلى هذه المعادلة من خلال المنافسة المنظمة، والاستيراد المباشر من الشركات العالمية الموثوقة، وتخفيض الرسوم على المعدات المطابقة للمواصفات، ومنع دخول المنتجات الرديئة التي تضر بالسوق والمستهلك معاً.

فك احتكار الدولة لتوليد وتوزيع الكهرباء يضاعف من مسؤوليتها

إن تعظيم دور الدولة في الرقابة والتنظيم وضبط الجودة والسيطرة على حركة أسواق الطاقة المحلية يلقي عليها أعباءً كبيرة، ويضاعف مسؤوليتها أمام جميع الأطراف، وفي مقدمتها المواطن المستهلك للكهرباء، خاصة في قطاعات الإنتاج، ثم المستثمر، والمصنع المحلي أو الخارجي، والمنظمات الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة (IEA) والوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) والبنك الأفريقي للتنمية (ADB) والبنك الدولي (WB) وغيرها.

وهنا يجب أن يتضح الفهم الصحيح لدور الاستثمار الوطني؛ فهو في حقيقته يجب أن يكون إتاحة الفرص العادلة والحرة للقطاع الخاص وفق موجهات الدولة التي تهتم بمصلحة المواطن والوطن أولاً وأخيراً، دون تدخل أو تغول على حرية الاستثمار الوطني، مع تضمين برامج التمويل الدولية وفق أهداف الخطة الوطنية.

ولكن في الوقت نفسه يجب على الدولة أن تلتزم بتهيئة المناخ اللازم لنجاح الاستثمار الوطني الخاص، وأن تكون واضحة في متطلباتها وما لها وما عليها.

لذلك لا بد من اتخاذ العديد من الخطوات الجادة لتحمل تلك المسؤولية، وأقدم هنا مقترحين، وربما تكون هناك مقترحات أخرى أكثر من ذلك.

المقترح الأول: البرنامج الوطني لاعتماد جودة معدات الطاقة المتجددة

بدلاً من أن تتحمل وزارة الطاقة وحدها مسؤولية فحص جميع المعدات، أقترح أن تستفيد من القانون الجديد، الذي فك احتكار الاستثمار في هذا القطاع، للترخيص لشركات خاصة متخصصة في اختبار واعتماد معدات الطاقة المتجددة، على أن يتم ذلك تحت تنظيم وإشراف ورقابة المركز المختص داخل وزارة الطاقة.

ولا بد أن تمتلك هذه الشركات مختبرات حديثة، وأجهزة قياس ومعايرة، وكوادر هندسية مؤهلة، وأن تعمل وفق معايير تعتمدها وزارة الطاقة بالتنسيق مع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس.

ويصبح الحصول على شهادة جودة معتمدة شرطاً أساسياً لتركيب أي نظام للطاقة الشمسية، أو للحصول على تمويل مصرفي، أو للاستفادة من الإعفاءات الحكومية، أو لربط الأنظمة بالشبكة الكهربائية مستقبلاً عبر العدادات الذكية (Smart Meters).

وبذلك تنشأ صناعة جديدة في السودان تتمثل في تقديم خدمات الاختبارات والاعتماد الفني، بينما تتفرغ الوزارة لوضع السياسات والرقابة والإشراف بدلاً من القيام بجميع الأعمال التنفيذية.

المقترح الثاني: البرنامج الوطني للمعدات الشمسية المعتمدة والتمويل الميسر

ويقوم هذا البرنامج على أربعة محاور مترابطة:

أولاً: تتولى وزارة الطاقة، عبر إحدى الشركات التابعة لها، سواء كانت قائمة مثل شركة التوزيع، أو مستحدثة مثل الشركة السودانية للطاقات الجديدة والمتجددة (وهو مقترح مطروح)، استيراد معدات طاقة شمسية عالية الجودة من الشركات العالمية الرائدة، تشمل الألواح الشمسية، والبطاريات، والمحولات، ومنظمات الشحن، وغيرها من المكونات الأساسية.

ثانياً: تُتاح هذه المعدات للمواطنين والشركات والمزارعين عبر شركات الكهرباء الخاصة المؤهلة، تماماً كما توفر حالياً الأعمدة والكابلات والمحولات والعدادات، بحيث يصبح أمام المستهلك خيار رسمي مضمون الجودة واقتصادي التكلفة.

ثالثاً: تنسق الوزارة مع البنوك السودانية، والبنك الدولي، والبنك الأفريقي للتنمية ضمن مبادرة Mission 300، وصناديق المناخ، لإنشاء برنامج تمويل ميسر يسمح للمواطنين والمزارعين والمنشآت الصغيرة، وبأولوية خاصة للتعاونيات الزراعية، ولا سيما في أطراف البلاد، بالحصول على الأنظمة الشمسية وسداد قيمتها على أقساط تمتد من خمس إلى عشر سنوات.

رابعاً: يكون هذا التمويل حصرياً على الأنظمة الحاصلة على شهادة الجودة الصادرة من المختبرات المؤهلة من قبل الوزارة، على أن تعتمد الوزارة تلك الشهادات، وبذلك يصبح التمويل نفسه أداة لحماية المستهلك، وفي الوقت نفسه تشجيع الشركات على الالتزام بالمواصفات عالية الجودة.

إن هذا النموذج سيؤدي إلى خفض الأسعار نتيجة الاستيراد بكميات كبيرة، وسيجبر الموردين الآخرين على تحسين جودة منتجاتهم وأسعارهم حتى يستطيعوا المنافسة، فتتحقق مصلحة المستهلك والسوق في آن واحد.

من سوق مفتوحة… إلى سوق حرة منظمة

إن الهدف من القانون الجديد لا ينبغي أن يكون مجرد تحرير السوق، وإنما إنشاء سوق حرة منظمة ومحكومة بدوافع المنافسة على تقديم الجودة العالية.

سوق ترحب بجميع المستثمرين، لكنها تغلق ثغرات دخول المعدات الرديئة.

وسوق تشجع المنافسة، لكنها تحمي المستهلك.

وسوق تتيح التمويل، لكنها تربطه بالالتزام بالمواصفات والجودة.

وعندما يتحقق ذلك، فإن السودان لن يستفيد فقط من إعادة إعمار قطاع الكهرباء، بل سيصبح مؤهلاً للحصول على نصيب مهم من الاستثمارات الدولية الموجهة للطاقة النظيفة في أفريقيا.

وختاماً أقول

لقد أثبتت تجربة الحرب القاسية في السودان أن الاعتماد على الشبكة التقليدية وحدها لم يعد كافياً، ولا بد أن يأتي قانون الكهرباء الجديد ليمنح البلاد فرصة تاريخية لإعادة بناء هذا القطاع على أسس حديثة، تقوم على المنافسة والاستثمار والجودة والاستثمار العلمي النظيف.

إن نجاح هذه التجربة لن يعتمد على نصوص القانون ولوائحه وحدها، بل على توقف الحرب وتوقف آثارها المدمرة، وبالتالي إتاحة الفرصة لحسن تطبيقه، وتبني مبادرات عملية تجعل الجودة حقاً للمستهلك، وتجعل التمويل متاحاً، وتجعل الاستثمار الخاص شريكاً حقيقياً في التنمية.

فإذا نجحت بعد ذلك وزارة الطاقة في إطلاق البرنامج الوطني لاعتماد الجودة، والبرنامج الوطني للمعدات الشمسية المعتمدة والتمويل الميسر، فإن السودان لن يكون مجرد سوق يستهلك تقنيات الطاقة الشمسية، بل يمكن أن يصبح خلال السنوات القادمة واحداً من أبرز نماذج التحول الطاقي في أفريقيا، وأن يجعل من إعادة إعمار قطاع الكهرباء نقطة انطلاق لنهضة اقتصادية وتنموية شاملة.