Business is booming.

من «لغه الحسم والحرب» إلى الخطابات الدبلوماسية: البرهان بين ضغوط الخارج وضرورة الإصلاح الداخلي

عوض عكاشة المحامي
يكشف تدرج خطاب الفريق عبد الفتاح البرهان والقيادة العسكرية، المسنودة من العناصر المتوجسه من السلام، تجاه الحرب عن انتقال لافت من الرفض التام لأي شكل من أشكال الحوار والتفاوض وتخوين اي صوت يدعوا الي اي شكل من اشكال التعقل السياسي، إلى طرح رؤية أكثر انفتاحاً على السلام المشروط وذالك عبر الخطاب الذي قدمه كامل ادريس أمام الجمعيه العامه للامم المتحدة في دوره ٢٠٢٥ ثم مقاله بمجلة «Forign policy » الذي طرح فيه البرهان رؤيته لإنهاء الحرب، مؤكداً وحدة السودان ورفض مساواة القوات المسلحة بقوات الدعم السريع في الشرعية، وداعياً إلى جيش وطني واحد تحت إشراف مدني، يعقبه حوار سوداني ودستور وانتخابات.، قبل الانتقال إلى مخاطبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مباشرة بلغه تشيرالي قدركبير من انتقال البرهان من سياسه الحوار والسلام المشروط الي موقف اكثر اقترابا علي الموافقه علي الطرح الامريكي لعمليه سلام وحوار غير مشروط. وكما يشير الخطاب والتحول انه لم يكن هذا مجرد تغيير في وسيلة الاتصال الدبلوماسي، بل يعكس محاولة لإعادة فتح قنوات التفاوض مع واشنطن بصورة اكثر جديه في ظل الحرب المتصاعده بطرق ووسائل وجبهات متعددة ومتغيره، والضغوط الدولية والأزمة الاقتصادية الخانقه التي باتت تشكل الخطر الأكبر علي استمرار وتماسك جبهة الحرب.

غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في مضمونها المعلن فقط، بل في توقيتها، إذ جاءت وسط خلافات مع واشنطن حول الهدنة الإنسانية ومستقبل السلطة السياسية. فالولايات المتحدة تدفع نحو وقف الحرب ومسار سياسي يقود إلى حكم مدني، بينما تريد القيادة العسكرية أن تبدأ التسوية من الاعتراف بمركزية الدولة ووحدة القوات المسلحة.
وان كانت الرسالة تشير إلى استمرار الرهان على التفاهم مع الإدارة الأمريكية وضرورة وقف التصعيد، لكنها لا تثبت وحدها حدوث تغيير كامل في موقف البرهان الذي ما زال يراهن علي الدعم الإقليمي، خصوصاً من مصر والسعودية وقطر، الذي لا يساعد فقط في تقريب المواقف بينه وبين الولاياتالمتحدةالأمريكية، لكنه يمكن أن يساعده علي الوصول الي اتفاق يجمع ما بين الرغبه في تحقيق السلام مع احتفاظ المؤسسة العسكرية بدور رئسي في اي عمليه سياسيه قادمه وفق التصور السوداني المطروح كعمليه قابلة للتنفيذ وتحقيق السلام.
كما لا يمكن تجاهل الظروف و الأزمة الاقتصادية التي صاحبت الخطاب والتي شكلت ضغوطاً إضافية علي السلطه والتي سوف يمتد تأثيرها علي جبهه الحرب فقد انكمش الناتج المحلي وتراجعت الإيرادات وتضررت القطاعات الإنتاجية والنظام المصرفي مع تراجع سعر صرف العمله بشكل متسارع ومخيف ، بينما تتزايد احتياجات المواطنين لضروريات الحياة المعيشيه والعلاجيه والتعليميه وسط عجز وفشل تام من الحكومه علي التعامل والتعاطي مع تلك القضايا مما يجعل انفجار الثوره والسخط الشعبي مسألة وقت لا اكثر. لذلك فإن تحسين العلاقات الخارجية وخاصه مع الولايات المتحدة الأمريكية هو الطريق الوحيد الذي قد يكون قادرا علي فتح المجال أمام التمويل وإعادة الإعمار، ولكنه بالطبع لن يتحقق ولن تكن له نتائج فعلية من دون استقرار أمني ومؤسسات ذات مصداقيه قادرة على العمل في ظل ضمانات قانونية وسياسية.
وكما تظل العلاقة بين القيادة العسكرية والحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق من أكثر الملفات حساسية لضرورةالتقارب وتحسن العلاقاتالسياسيةوالاقتصاديةمع المحاورالإقليميةوالدولية. فالتوسع الواضح لنفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة و النقابات والاتحادات سيظل العائق الأكبر والوحيد أمام اي عمليه إصلاح سياسي ذات مصداقية تستطيع الحكومه من خلاله تقديم اي طرح او خطاب خارجي، وسوف يزيد الشكوك حول جدية الانتقال المدني الذي بات شرط من شروط الانتقال لأي عمليه تحظي بموافقه واعتراف خارجي.
ولهذا، فإن الانفتاح على الحوار والسلام لن يكون مقنعاً ما لم تسبقه إجراءات إصلاحية حقيقية، في مقدمتها تحسين أوضاع حقوق الإنسان، واستقلال القضاء، واستعادة هيبة الدولة ومؤسساتها، والحد من الفوضى الناتجة عن انتشار السلاح خارج سلطة القوات المسلحة. كما يتطلب الأمر معالجة الفوضى المجتمعية، بما في ذلك خروج الصوت القبلي من أدواره الاجتماعية والتاريخية المحددة إلى أدوار سياسية تنافس مؤسسات الدولة.
والأهم أن تقدم القيادة نفسها باعتبارها قادرة على فك الارتباط السياسي والتنظيمي بينها وبين الحركة الإسلامية، التي عادت بقوة عبر نفوذها في مفاصل الدولة والاتحادات والنقابات. فالشعار المعلن عن جيش واحد تحت إشراف مدني لا يكتمل من دون قواعد واضحة للمساءلة، واستقلال المؤسسات العامة، ومنع احتكار السلطة أو توظيف الدولة لصالح تنظيم سياسي بعينه.
إن الانتقال من خطاب يرفض الحوار والتفاوض إلى طرح السلام المشروط، ثم إلى مخاطبة ترامب مباشرة، يكشف إدراك البرهان أن واشنطن طرف لا يمكن تجاوزه، لكنه يضعه أمام اختبار داخلي قبل أن يكون دبلوماسياً وهو هل تستطيع السلطة الانتقال من إدارة الحرب والتحالفات إلى بناء دولة مستقلة عن السلاح والحزب والقبيلة؟
فالمعيار الحقيقي للتحول لن يكون الرسائل الموجهة إلى الخارج، بل برنامجاً وطنياً معلناً يخاطب السودانيين، ويحدد مستقبل الجيش ومؤسسات الدولة والحكم المدني، ويضمن استقلال القضاء وحقوق الإنسان، ويفك الارتباط بين الدولة والحركة الإسلامية، ويعيد الاعتبار للمؤسسات الرسمية في مواجهة الفوضى المسلحة والمجتمعية.
أما إذا بقي الانفتاح على السلام والاتصالات الخارجية وسيلة لإدارة الضغوط من دون إصلاح داخلي حقيقي، فقد تتحسن العلاقات الدبلوماسية من دون أن تتوقف الحرب، لأن جذور الأزمة ستظل قائمة.
مقال