
هل الحوار تنازل؟ وهل رفضه بطولة؟
عصام عباس
الشواهد لا تقول إن “قوى الثورة الحقيقية” ترفض الحوار، بل تقول العكس تماما.
فعقب انقلاب أكتوبر ٢٠٢١ الذي نفذ بالاشتراك بين الجيش والدعم السريع، وفور خروج قادة القوى المدنية من المعتقلات، شرعوا في تفاوض مع الانقلابيين كان نتاجه مسودة الاتفاق الاطاري الذي اوقد نار الغيظ في نفوس الاسلامويين وخرج قادتهم يملأون الاسافير بالتهديد والويل والثبور تجاه ذلك الاتفاق النبيل، الا يعني ذلك أن التفاوض هو سبيل الحكماء في بناء الأوطان.
وحينما لاحت نذر الحرب مطلع ٢٠٢٣، بادرت هذه القوى بالحوار ، وتحرك عدد من القادة المدنيين في محاولة للحيلولة دون وقوعها. وحين اندلعت، كانوا من أوائل من سعوا إلى إيقافها والدفع نحو التهدئة. أليس هذا، في جوهره، انخراطا في الحوار والتفاوض؟
ثم دعمت قوى الثورة مختلف مسارات التفاوض التي أُطلقت لمعالجة الأزمة السودانية، بدءا من منبر جدة وغيره من المسارات، وظلت تحث المجتمعين الإقليمي والدولي على دفع طرفي الحرب إلى الانخراط في مفاوضات جادة تنهي القتال وتوقف نزيف الدم. أليس هذا موقفا واضحا في دعم التفاوض؟
بل إن قوى الثورة انخرطت بالفعل في حوار مباشر مع طرفي الحرب، وأسفر أحد هذه المسارات عن توقيع إعلان أديس أبابا بين “تقدم” وقوات الدعم السريع، في الوقت الذي نكص فيه الجيش عن مسار مماثل بعد أن أبدى استعدادا اوليا للانخراط فيه. وهذا، في حد ذاته، دليل واضح على أن مبدأ التفاوض ليس موضع رفض لدى القوى المدنية.
وفوق ذلك، ظل موقف تحالف صمود ثابتا في رفض الحل العسكري، وعكست بياناته ومواقفه المتكررة قناعة واضحة بأن الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكريا، وأن الطريق الوحيد لإنهائها هو جلوس طرفيها إلى طاولة التفاوض للوصول إلى تسوية توقف نزيف الدم وتضع حدا للحرب.
هذا هو موقف قوى الثورة الذي نعرفه عن قرب، ونعرف كثيرا من قياداتها الشرفاء الحكماء. وهو موقف لا يمكن تفسيره إلا باعتباره إيمانا لا يتزحزح بالحوار والتفاوض باعتبارهما الوسيلة الأساسية لاستعادة حلم السودانيين في السلام والأمن والدولة المدنية والديمقراطية.
فلماذا ينبرى البعض لتصوير “صمود” وكأنها ترفض مبدأ الحوار، ثم يطالبونها، صراحة أو ضمنا، بعدم الدخول في أي تفاوض مع الجيش؟
الأخطر أن هذه الدعوات لا تقدم بديلا سياسيا أو تفاوضيا واضحا، الأمر الذي يجعلها ( اي الدعوات)، من حيث الغرض، أقرب إلى دفع “صمود” نحو الاصطفاف مع اجندة أحد طرفي الحرب، حتى وإن لم يكن ذلك هو القصد المعلن.
نعم، من حق “صمود” أن ترفض الدعوة المشوهة التي أطلقها أحد المغمورين في الفضاء السياسي السوداني، لكن السؤال: هل الرفض للدعوة أم لمبدأ الحوار؟
في تقديري، الرفض منصبّ على الدعوة وشروطها وإطارها، وليس على مبدأ الحوار. فالدعوة التي اطلقها المدعو الجاكومي وخائن دماء الشهداء، نبيل اديب، لا تلبي طموحات هذه القوى الوطنية، كما أن القبول بتفاوض جزئي يجري داخل مساحة جغرافية يسيطر عليها طرف واحد من أطراف الحرب يحمل، بصورة مباشرة، مخاطر تكريس واقع الانقسام.
ثم إن أي حوار جاد لا ينبغي أن يكون لإدارة الصراع، بل يجب أن يكون مسارا واضحا يبدأ بوقف إطلاق النار، ويقود إلى إنهاء الحرب، ويحمي وحدة السودان، ويؤسس لانتقال سياسي مدني ذي مشروعية شعبية.
إن وضع هذه الجدر النارية والضمانات السياسية والأمنية حول عملية الحوار لا يعني رفض الحوار، بل يعني تهيئة البيئة التي تجعل الحوار منتجا، وتمنع استخدامه كغطاء لإعادة إنتاج الحرب أو تكريس الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، أعجبتني جدا دعوة الكمرد ياسر عرمان إلى التفاوض مع الجيش بهدف واضح هو إسكات البنادق إلى الأبد.
يا سادة،
كفى إيقادا لنار الحرب، وكفى قرعا لطبولها. فقد أصبح الألم فوق احتمال الناس، وغار الجرح عميقا في جسد السودان المنهك.
رحبوا بالحوار باعتباره مبدأً ووسيلة لإنهاء الحرب، لكن ضعوا له الركائز والضمانات التي تحميه من الانحراف، وتضمن أن يقود إلى سلام حقيقي وليس إلى تسوية وتقاسم سلطة.
فالحوار ليس تنازلا، ورفض الحوار ليس بطولة. البطولة الحقيقية هي أن نبحث عن الطريق الذي يُسكت البنادق، يحفظ وحدة السودان، ويعيد للسودانيين حقهم في السلام والمدنية والديمقراطية.
هكذا فقط يمكن كسب ثقة المواطن السوداني، وكسب دعم المجتمعين الإقليمي والدولي.